وأما الحاكم فهو أشد تساهلًا من ابن حبان.
وقد نقل السيوطي في"التدريب" (1/108) عن الحافظ العراقي قوله:"الحاكم أشد تساهلًا منه".
وقد عقد الحافظ ابن حجر - رحمه الله - فصلًا في مقدمة"اللسان" (1/25) في بيان تساهل ابن حبان في مذهبه في التعديل، وأن ذلك قائم عنده بمجرد ارتفاع جهالة العين، وقال الحافظ:
"والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه".
إلا أن المؤلف قد حاول جاهدًا على إعمال توثيق ابن حبان ومثله توثيق الحاكم، فقال (ص: 151) :
(فتوثيق ابن حبان على قسمين نصَّ عليهما في مقدمة ثقاته:
فالأول: من اختلف فيه علماء الجرح والتعديل، فإذا ثبت عنده أنه ثقة أدخله في ثقاته، وإلا فأودعه كتابه الآخر.
الثاني: من لم يُعرف بجرح ولا تعديل، وكان كل من شيخه، والراوي عنه ثقة، ولم يأتِ بحديث منكر، فهو ثقة عنده، ولم ينفرد ابن حبان بذلك المذهب، ولكن هذا النوع من الرواة عند الجمهور يكون مجهول الحال.
وأما نسبة التساهل إليه فبالنظر للنوع الثاني فقط، فإهدار توثيق ابن حبان مطلقًا خطأ، ولا تصح نسبة التساهل إليه مطلقًا..
إذا علم ذلك، فإن رد توثيق ابن حبان لروح بن صلاح بدعوى تساهله فيه نظر، فروح بن صلاح روى عنه يعقوب بن سفيان الحافظ، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي الفقيه الحافظ، وأحمد بن حماد بن زغبة صاحب النسائي الثقة، وأحمد بن رشدين، وابنه عبد الرحمن، وعيسى بن صالح المؤذن، وفيه جرح وتعديل، وبعضهم سبق ابن حبان في الكلام عليه، كابن يونس).
قلت: وهذا الكلام المذكور منتقض في حق روح بن صلاح، فكون أن ابن يونس أن ابن عدي قد تقدَّما ابن حبان بجرحه، فليس بالضرورة أنه قد وقف على جرحهما له، ولم يرد ما يدل على ذلك البتة، ولو صح أنه قد وقف على جرحهما له، فلا يمنع هذا أن جرحهما مقدَّم على توثيقه، ولا يدفع عنه الوصف بالتساهل في التعديل، وجَعْلُ ما تقدَّم نقله عن المؤلف قاعدة مطردة فيه نظر كبير.