إن مقارفة الرذيلة ممقوت بلا شك، ومن يجالس الصالحين الأخيار فهو أولى الناس باجتنابها ومفارقتها، ولكن: هل مفارقته للصالحين ستزيده قربا من الرذيلة أم بعدا عنها؟ وحين يفارقهم فهل سيزداد إيمانه أم ينقص؟ بل هل سبيقى ذاك الصوت الذي يلومه من داخله ويدفعه نحو التوبة أم لا ؟
إن الشرع القويم، يدعو إلى خلاف ذلك، فالمقصر المذنب حين يصاحب الصالحين يحشره الله معهم يوم القيامة؛ فحين سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رجل يحب القوم ولما يلحق بهم قال: «المرء مع من أحب» وهذا ليس دعوة إلى الاتكاء على هذا الحب وإهمال حظ النفس من صالح العمل؛ فالحب الصادق يدفع المرء إلى التأسي بمن يحب، والسير في طريقة.
والمنطق السليم يقول لصاحبه بقاؤك مصاحبا للصالحين حتى لو وقعت في التقصير خير من مفارقتك إياهم، وحين تفارقهم فلن يؤدي بك ذلك إلى التوبة والإقلاع، بل سيؤدي بك إلى استمراء السوء، وإلى مزيد من الارتكاس حمانا الله وإياك.
لا بديل عن المجاهدة
كثيرة هي الرسائل التي يحملها إليها البريد، أو عبر الهاتف، أو عبر شبكة الإنترنت يشتكي فيها أصحباها شكوى مرة من صراعهم مع الشهوات، ومن عدم قدرتهم على ضبط أنفسهم في مواجهة دواعيها ومثيراتها.
وحين تسهب في الحديث مع السائل، يفيدك بأن ماذكرته من خطوات للعلاج قد جربه كله ولم ير له أثرًا، أحدهم يكتب لي رسالته وهو صائم -صيام نفل- وكثير منهم يقدم بين يدي شكواه بأنه قرأ الكتاب الفلاني، وسمع الشريط الفلاني....إلخ.
ومنشأ المشكلة في ذلك السعي إلى مطلب لا يمكن تحقيقه، ألا وهو الخلاص من الشهوة والتفكير فيها.