فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 16

ومما يسهم في الائتلاف بين المؤمنين قابليةُ التنازل لمصلحة الجماعةِ، وإن كان المتنازلُ أحقَّ من غيره، وفي أحدِ غزواتِ المسلمين - ذات السلاسل - أمّرَ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه، ثم بعث له مددًا من المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر، وأمّر عليهم أبا عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه، فلما وصل المددُ قال عمرو: أنا أميرُكم، فقال المهاجرون: بل أنت أميرُ أصحابك، وأميرنا أبو عبيدة ، فقال عمرو: إنما أنتم مددٌ أمددتُ بكم، فلما رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلًا حسنَ الخُلُق، ليّنَ الشيمة، متبعًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم محبًا للتأليفِ والجماعة، سلَّم الإِمرة لعمرو وجمع الكلمة (1) .

وحين يُوصي العلماء والدعاة وطلبة العلم بالحرص على الائتلاف ودفع الاختلاف بكلِّ وسيلة فلا يعني ذلك تميع الدين، أو السكوت عن الحق وكشف الباطل.. لكنه الأدبُ في الاختلاف والسعيُ بكلِّ وسيلة للائتلاف، وكم هو رائعٌ أن يدفعَ العلماءُ مفسدةَ فتنة العامة، بإظهار الودِّ وتقدير بعضهم لبعض، وعدم التنازع على مشهد من الناس، ومما يُذكر في ذلك أن الإمام أحمد، وإسحاق وعبد الرزاق خرجوا إلى المصلى في عيد الفطر - وكان أحمد وإسحاق يرون سُنيةَ التكبير لعيد الفطر، بينما لا يرى عبد الرزاق سنيةَ التكبير في عيد الأضحى، ولكن ما الذي حصل في المُصلَّى؟ لم يكبر أحمدُ وإسحاق مراعاة لاجتهاد عبد الرزاق، وعبد الرزاق عجب من عدم تكبيرهما، وقال: لو كبّرتما لكبِّرت معكما، مداراة لاجتهادهما، ودفعًا لفتنةِ العوام (2) . وهكذا يحرص العلماء على توحيد المواقف أمام الناس، وإن اختلفت اجتهاداتهم في بعض المسائل.

(1) ترجمة أبي عبيدة في سير أعلام النبلاء: 1/5 - 23.

(2) سير أعلام النبلاء: 12/214- 221، ترجمة محمد بن رافع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت