فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 16

وإذا أخطأنا في أساليب الحوار مع إخواننا المسلمين، ولم نُعطِ أيَّ فرصةٍ لإبداء وجهة نظر الطرف الآخر، فعلينا أن نقرأ في السيرة النبوية وسنجدُ فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحاور رمزًا من رموز الجاهلية ووتدًا من أوتادِ قريش قال له: (( قل يا أبا الوليد اسمع ) )ولا يبادره بسهام الحقّ - وهو الأعلى - حتى يقولَ له: (( أفرغتَ يا أبا الوليد؟ ) )إنه ليس ضعفًا ولا تزلفًا ولا نفاقًا، وإنما الرغبةُ في استمالته ودعوته للحق.. وقد كان شيءٌ من هذا.. ودخل في نفس الوليد شيءٌ من عظمة محمد صلى الله عليه وسلم وعظمة القرآن، حتى قالت قريش: والله لقد جاءكم الوليدُ بغير الوجهِ الذي ذهب به..

إنها ملَكةُ الحكمةِ في الدعوة، والمهارةُ في الحوار، والقدرةُ على الإقناع، وليست سفسطة، ولا جدلًا عميقًا، أو ترفًا فكريًا، ففرقٌ بين هذا وذاك!

ومما يعين على الائتلاف التحذيرُ من الباطل دون التصريح بالمبطلين، إلا إذا دعتِ الحالُ للتصريح؛ ذلك أن التعريف بالضلال تعرية لأهله، وقد يعودُ صاحب الضلال إلى الحقِّ إذا لم يُشهِّرْ به، والعلماءُ يقولون: ليس كلّ ما يُعلم مما هو حقُّ يُطلبُ نشرُه.. لا سيما إن كان نشرُه يثير فتنةً.

ومن سبل التأليف مخاطبة الناس بما ينفعهم وعلى قدر عقولهم وفي هذا يقول عليٌّ رضي الله عنه: (( حدِّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرونَ، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله ) ).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: (( ما من رجل يُحدِّثُ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنةً لبعضهم ) ).

ويُعدد الغزالي من وظائف المعلم المرشد: أن يقتصر بالمتعلِّم على قدْر فهمِه، فلا يُلقي إليه ما لا يبلغُه عقلُه فينفِّره، وكذلك قيل: كِلْ لكلِّ عبدٍ بمعيار عقله، وزنْ له بميزان فهمه، حتى تسلم منه، وينتفع بك، وإلا وقع الإنكارُ لتفاوت المعيار (1) .

(1) الإحياء: 1/55، 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت