فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 16

إن من أخطائنا - أننا نسرف في الثناء على من أحببنا - أو نُسرفُ في الذمِّ، بل الهجوم أحيانًا على من أبغضنا وخالفنا، وقد يكون لهذا الذي أحببنا أخطاءُ ونغضُّ الطرف عنها، وقد يكون لهذا الذي أبغضنا حسناتٌ وإيجابياتٌ غَمطناه حقَّه فيها ولم ننصفه في ذكرها، والوسطية منزلةٌ بين الغلوِّ والجفاء، ولهذا قال العلماء:"وإذا اجتمع في الرجل الواحد خيرٌ وشرٌّ وفجورٌ وطاعة، وسنةٌ وبدعة، استحق من الموالاةِ والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجباتُ الإكرام والإهانةِ، فيجتمعُ له من هذا وهذا كاللص الفقير تُقطع يده لسرقته، ويُعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته" (1) .

أيها العلماء والدعاة وطلبة العلم: وأنتم قدوةٌ لغيركم في تحقيق الائتلاف وردمِ فجواتِ الاختلاف وآثارها السيئة، وإذا كان الخلافُ واردًا في بعض مسائل العلم، وفي عددٍ من الاجتهادات والأمور الفرعية فينبغي أن يبقى حبلُ الودِّ متصلًا، فالخلاف في الرأي لا يفسدُ للودِّ قضية - كما يقال - وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد اختلفوا في بعض المسائل الاجتهادية فميزتهم أنهم كانوا مع ذلك أهلَ مودةٍ وتناصح، ومع تنازعهم في مسائل علميةٍ اعتقاديةٍ إلا أنهم حافظوا على بقاء الجماعةِ والألفة، كما قرر ذلك العلماء كالشاطبي وابن تيمية وغيرهم (2) .

ومما ينبغي التفطن له ألا يُظن أن الاختلاف بين العلماء في بعض المسائل مؤشرٌ للشرور والفساد، بل قد يكون الاختلاف رحمةً وتوسعة، ومن فقه عمر بن عبد العزيز رحمه الله قوله:"ما يسرُّني أن أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم إذا اجتمعوا على قولٍ فخالفهم رجل كان ضالًا، وإذا اختلفوا فأخذ رجلٌ بقول هذا، ورجلٌ بقول هذا كان في الأمر سعةٌ" (3) .

(1) الفتاوى لابن تيمية: 28/209.

(2) الموافقات: 4/186، الفتاوى: 19/123.

(3) الفتاوى: 30/80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت