ص:17
والإنجاز، لم يكن أبدًا منوطًا بالكم من حيث الكثرة والقلة، وإنما يتحقق بمقدار العطاء ونوعية العطاء، فالأكرم هو الأتقى، وليس الأكرم الأقل ولا الأكرم الأكثر.. والتقوى المقصودة في الآية كمعيار للتفاضل، هي جماع الأمر كله، ذلك أن التقوى بأبعادها المتعددة، تعني امتلاك الميزان الحق، والتحلي بالقيم الصحيحة، لاستيعاب الحياة بكل مجالاتها، وكيفيات التعامل معها.. فقد تكون المحصلة فردًا يعدل أمة كاملة، ويكون أمة فعلًا بما يمثل وما يحقق، قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً[النحل:120} والرسول صلى الله عليه و سلم يقول: (تجدون الناسَ كإبلٍ مائة، لا يجدُ الرَّجُلُ فيها راحلة) (رواه مسلم عن ابن عمر) .
ويحذر القرآن الكريم من الانخداع بالغثاء والكثرة القائمة على غير الحق والعدل، التي يمكن أن تشكل عبئًا يسوده مناخ القطيع، الذي يحرك الإنسان دون دراية وإرادة، فيقول: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ[الأنعام: 116} والضلال يعني الضياع، وعدمية الحياة، وغياب المقاصد، والانسلاك في القطيع دون فحص واختبار ومعرفة للوجهة.. والرسول صلى الله عليه و سلم حذّر من الوَهْن الذي يصيب الأمة المسلمة، بسبب من الحالة الغثائية، المؤدية بها إلى مرحلة القصعة، التي تسود مراحل النكوص والتخلف، فيتحول الناس إلى مستهلكين بدل أن يكونوا منتجين، فيقول: (يُوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها) ، فقال قائل: ومن قلةٍ نحن