ثم إني استرشدت من كبار الأساتذة وبعض الباحثين فلم أجد ما يشفي علَّتي ، ولا ما يروي غلَّتي ، وقد كانت المراجع أصعب العقبات ، إذ كان أكثرها خطِّياًّ أو مطبوعًا في أوربة ، وقد قست عليها الحرب ، كما قست على غيرها من الكائنات فقبرتها في بطون المغارات ، وكان الحصول عليها دونه خرط القتاد .
ولكني استعنت بالله ، وتذرعت بالصبر والعزم ومضيت في بحثي غير وانٍ ولا متردِّدٍ ، فإذا بكلِّ صعبٍ - بمعونة الله - يذلَّل ، وكل عقبة تمهَّد ، وإذا بي أصل إلى غايتي فأجد لذَّة أنستني كلَّ ألمٍ ذقته في سبيل بحثي .
وها هو ذا البحث أقدِّمه للقارئ ، وكلِّي ثقة بأنه سيشعر بما صادفت من صعاب ويقدر ما بذلت من جهود.
وما قصدت بهذه الرسالة إلا خدمة اللغة ، والوفاء لرجالها العاملين ، وعلاج هذه الناحية من البحث التي أغفلها الباحثون ، فإن أكن قد أحسنت الإحسان كله فبتوفيق الله وحسن نيتي ، وإلا فهو جهد المقل ، وحسب القارئ شرف غايتي ونبل قصدي.
وقد قسمت البحث إلى مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة فتكلمت في المقدمة عن طبيعة الأندلس وحضارتها العلمية ، وأطوارها السياسية ، وفي الباب الأول تناولت تاريخ النحو في الأندلس وفي الباب الثاني شرحت المذهب الأندلسي وخصائصه وفي الباب الثالث تكلمت عن آثار الأندلسيين في النحو من آراء ومؤلفات ، وفي الباب الرابع ترجمت لبعض أعلام الأندلس ، ولا يغيب عن ذهن القارئ أني حينما أذكر النحو في الأندلس فإنما أعني النحو بمعناه العام ، الذي يشمل التصريف كما هو المعروف عند المتقدمين ، وبهذا عرفه ابن عصفور فقال: علم مستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها.
وقبل أن أختم كلمتي أتوجه بالشكر الجزيل إلى كل من أسدى إليَّ معونة من أساتذتي ومن رجال العلم والأدب .
وبعد فالحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
غرة شعبان 1363هجرية