فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 16 من 55

وما كان يجول في خاطري أن لهم آثارًا في النحو كآثارهم في الفنِّ والأدب ، بل ما كان أبعد ذلك عن خاطري ، إذ كنت أعتقد أن البيئة التي يخصب فيها الأدب ، ويزدهر لا ينمو فيها النحو ولا يزكو ، وما كنت أعتقد أن هؤلاء الذين كانوا يتهادون بين الأشجار والأزهار ويعيشون بين الكؤوس والأوتار ، ويشدون شدو الحمائم ، ويناجون النسائم في البواكر والآصال ، وقد ألانهم الترف وعلتهم نضرة النعيم ، ما كنت أعتقد أن هؤلاء تفيض قرائحهم إلا بالشعر الذي يحاكي فطرتهم في لينها وترفها ، وطبيعتهم في رقة نسيمها ، وشذا عطرها ، أما النحو فلا شكَّ أنهم يمجونه ، ولا يستسيغونه فلما أمعنت في دراسة النحو ، وقرأت شيئًا عن أعلام النحاة ، راعني أن أكثر هؤلاء النحاة الذين تتردد أسماؤهم في كتب النحو أندلسيون ، وقد أظهروا في هذا الميدان لباقة وقدرة وبراعة جعلتهم في صفوف إخوانهم المشارقة.

حفز فيَّ ذلك إلى أن أتعرف تاريخ النحو في الأندلس وآثار الأندلسيين فيه ، وما كان أشد أسفي حينما لم أجد أحدًا من العلماء عني ببحث المذهب الأندلسي ، وبيان خصائصه وأطواره كما عنوا ببحث مذهبي البصرة والكوفة .

وكل ما ألف في هذا البحث إنما هو تراجم موجزة لنحاة الأندلس منثورة في بطون الكتب .

رأيت حينئذ أن واجب الوفاء لهؤلاء الأئمة يقتضينا أن نسد هذا الفراغ ، وأن نكمل هذا النقص .

فلما انتهيت من دراستي وكلفت إعداد رسالة علمية رأيت أن أقوم بهذا البحث وفاء لهؤلاء الأعلام.

ولقد شجعني على اختياره طرافة الموضوع وجدته .

وقد قامت في سبيلي عقبات تثني عزيمتي وتردني عن غايتي .

ومن هذه العقبات أني لم أجد أحدًا من الباحثين طرق هذا الموضوع قبلي ، ولا حام حوله ، فيمهد لي السبيل ، وينير لي الطريق إلى غايتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت