الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين ، والصلاة والسلام على نبيه الأمين وآله الطيبين وصحبه المخلصين ؛ وبعد:
فقد كنت منذ مراحل التعليم الأولى مولعًا بتاريخ الأندلس ، وأدب الأندلسيين ، وكنت حينما أقلب صفحات تاريخهم ، وأتنقل بين آثار حضارتهم أشعر أن نفسي تتجاذبها نزعتان متباينتان: سرورٌ وألم ، سرور اللذة العقلية والتيه والفخر بمجد الآباء والأجداد ، وألم الحسرة على الفردوس المفقود والملك الضائع والمجد الدارس !!
وأي قلبٍ لا يهفو إلى تلك الجنان ، وأي نفس عربيَّةٍ لا تثور أشجانها ، وتهتاج مشاعرها ، ويعتلج الهمُّ والأسى في صدرها، تستغرق في تاريخ الماضي ، وتستعرض حوادثه ، فترى الدولة العربية ذات سلطان ومنعة وحضارة ومجد يرهبها عدوّها ، ويخشى بطشها ، فيتملقها ، ثم إذا بهذه الدولة تصبح هباء ، وهذا الملك يصير عفاء ، ويخرج العرب من هذا الأقليم كما خرج آدم من جنات النعيم !!
ولكن كان يعزيني علمي بأن العرب قد أدّوا رسالتهم في الحياة ، فخدموا العلم والفن ، وتركوا وراءهم آثارًا خالدة ، تنطق ببراعتهم ، وتشهد بعلو كعبهم في كلِّ ناحية من نواحي الحياة .
وإذا كنت قد أحببت الأندلس والأندلسيين فقد أحببت آثارهم ، وكل ما يتصل بتاريخهم بسبب ، فشغفني أدبهم حباًّ ، وأعجبت به أيما إعجاب .