ثم إنه قد وردت أحاديث أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها إطلاق الكفر، منها حديث عبد الله بن مسعود: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) وحديث جرير: ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) وحديث أبي هريرة: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) وحديث جرير: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) 68.. وأشباهها.فإذا كان الكفر في هذه الأحاديث غير مراد على حقيقته، فلا مناص من التأويل .خذ مثلا قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) قال القاضي عياض في شرحه: (نهاهم عن التشبيه بالكفار في حال قتل بعضهم بعضا ومحاربة بعضه لبعض، وهذا أولى ما يتأول عليه الحديث ، ويؤيده ما روي مما جرى بين الأنصار بمحاولة يهود، وتذكيرهم أيامهم ودخولهم في الجاهلية حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح فنزلت:( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ) أي: تفعلون فعل الكفار، أو نهاهم عن إظهار جحد ما أمرهم به من تحريم دمائهم ،وكفرهم في ذلك بقتالهم لا بقولهم واعتقادهم)69.
وبوب البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه (باب كفران العشير ،وكفر دون كفر) ،وساق فيه حديث ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل أيكفرن بالله ؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا، قالت: مارأيت منك خيرا قط) 70 .ونقل ابن حجر عن القاضي أبي بكر بن العربي أن مراد البخاري بذلك أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا ،لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد الكفر المخرج من الملة71.
ومن ثم أول العلماء الأحاديث التي يوهم ظاهرها تكفير أصحاب المعاصي، فبعضهم أولها بمعنى استحلال هذه المعاصي، وبعضهم حملها على معنى العاقبة، وبعضهم حملها على كفر العمل أو الكفر المجازي أو الكفر الأصغر ..72