ومن هذا القبيل أيضا بعض الأحاديث التي يوهم ظاهرها ذم الزراعة، مثل حديث أبي أمامة الباهلي قال ،ورأى سِكة وشيئا من آلة الحرث ، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل) 39.فظاهر هذا الحديث أن الإسلام يكره الزراعة والحرث،واستند إليه بعض المستشرقين الألمان مدعيا أن الإسلام يحذر أهله من تعاطي أسباب استثمار الأرض!40.ولو كلف نفسه النظر في ترجمة البخاري لهذا الحديث لما تجرأ على مثل هذه الدعوى الباطلة، قال البخاري: (باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به ) .قال ابن حجر: ( وقد أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين حديث أبي أمامة والحديث الماضي في فضل الزرع والغرس41 وذلك بأحد أمرين: إما أن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك ، ومحله ما إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أُمر بحفظه ،وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه) 42.
ثم إن قد وردت عدة نصوص صحيحة وصريحة في الحث على الزراعة،و غرس الأرض وإحياءها،كحديث أنس قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) 43. في حديث جابر مرفوعا: (ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة وما أكل السبع منه فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة) 44.
بل بلغ اهتمام الإسلام بالزراعة أن حض عليها حتى عند قيام الساعة، وذلك في حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل) 45.وليس بعد هذا الترغيب ترغيب، ولا بعد هذا الحض حض.