الصفحة 14 من 49

عند الأصوليين نجد هذا المنهج حاضرا أيضا فيما قعدوه من قواعد، خاصة في مبحث الدلالات عند كلامهم عن العام والخاص ، والمطلق والمقيد، والظاهر والمؤول.. وعند كلامهم أيضا عن التعارض والترجيح،وقولهم: الجمع أولى من الترجيح، وبنوا على ذلك قاعدة تقول (إعمال الدليل أولى من إهماله) ،ومعناه أن الفقيه الذي يروم استنباط حكم ما،يتحتم عليه إعمال جميع الأدلة الواردة في المسألة،وألا يكتفي بإعمال بعضها، وإهمال البعض الآخر،فهذا شأن المتسرعين الذين يرومون جني الثمار بأقل كلفة وجهد،كما هو حال كثير من الظاهرية،أما من نذروا أنفسهم لخدمة العلم،وسلكوا مسلك التحقيق والتدقيق فشأنهم شأن آخر ، وانظرمثلا إلى مسلك ابن حجر في فتح الباري ، والشوكاني في نيل الأوطار،تجد أكثر من شاهد على ما ذكر.

ومما يتصل بهذا الباب عند الأصولين أيضا الاستقراء، وهو منهج علمي مبناه على النظر في مجموع أدلة الشريعة في المسألة الواحدة،بدل الاقتصار على بعضها دون البعض. ومن مزايا هذا المنهج إفادة القطع في المعنى الواحد، الذي لا يستفاد من آحاد الأدلة، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض، وذلك لأن الأدلة بعضها يعضد بعضا، ولأن للاجتماع ما ليس للافتراق، وهذا مثل وجوب أركان الإسلام،وحفظ الضروريات الخمس.. فهذه وأمثالها لم تثبت لنا بدليل واحد معين، لأن كل واحد منها بانفراده لا يعدو أن يكون ظنيا، وإنما ثبتت بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد، على وجه يفيد القطع، وهذا شبيه بالتواتر المعنوي22.إلا أن بعض أهل الأصول يقول الشاطبي (ربما تركوا ذكر هذا المعنى والتنبيه عليه فحصل إغفاله من بعض المتأخرين فاستشكل الاستدلال بالآيات على حدتها وبالأحاديث على انفرادها إذ لم يأخذها مأخذ الاجتماع فكَرَّ عليها بالاعتراض نصا نصا واستضعف الاستدلال بها على قواعد الأصول المراد منها القطع .وهي إذا أخذت على هذا السبيل23 غير مشكلة ) 24.

4-أمثلة لتطبيقات هذه القاعدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت