ولعل أبرز أنواع علوم الحديث التي يظهر فيها هذا المنهج، ما يسمى بالاعتبار، وهو عبارة عن الهيئة الموصلة إلى معرفة المتابعة والشاهد، أي تتبع الحديث برواياته وطرقه المختلفة في دواوين السنة من جوامع ومسانيد وأجزاء، لينظر هل ثمة حديث آخر متابع له في الإسناد، أو شاهد لمعناه13.وقد اعتمد المحدثون هذا المنهج على مستويين:
أولا: على مستوى الحكم على الحديث صحة وضعفا،وما يتفرع عن ذلك من تقسيمات من مثل المتواتر، والصحيح لغيره، والحسن لغيره، ومعرفة الشاذ ،والمضطرب ،.. وما إلى ذلك.
ثانيا: على مستوى فقه الحديث، كمعرفة زيادة الثقة التي قد تفيد حكما زائدا على ما في سائر الروايات، وكبيان لفظ غريب أو اسم مبهم مما يتوقف عليه فهم الحديث، أو معرفة سبب ورود الحديث.. إلى غيرها من الفوائد، التي لا تتأتى إلا بالنظر في مجموع الروايات.
ب) عند الفقهاء:
وعلى هذا المنهج الكلي في النظر إلى الأحاديث سار فقهاء المحدثين ، وبنوا آراءهم وترجيحاتهم وردودهم الفقهية،كابن عبد البر في التمهيد ،وابن القيم في زاد المعاد ،وابن حجر في فتح الباري ، الذي قطع شوطا كبيرا في ذلك،وتقصى روايات الحديث الواحد في دواوين السنة على اختلاف أنواعها،وبنى على ذلك أحكاما واستنبط فوائد مهمة، لولا أنه شان صنيعه هذا باعتماد روايات ضعيفة في بعض الأحيان14، ولو تركها لكان أولى.ومنه استمد كثير من الشراح، وساروا على نهجه خاصة الشوكاني في نيل الأطار والصنعاني في سبل السلام.