فتبين من هذا الصنيع ،أن النهي عن التسمي باسمه والتكني بكنيته صلى الله عليه وسلم وارد لعلة خاصة لئلا يشتبه النبي صلى الله عليه وسلم بغيره،وأن الزجر متجه إلى من جمع في شخصه بين اسمه وكنيته صلى الله عليه وسلم، لا بانفراد كل واحد منهما فيه.ومثل هذا الفقه لا يتأتى إلا بجمع الروايات الواردة في الموضوع،ومقابلة بعضها ببعض، ويتعذر بغير ذلك. ولأهمية هذا المسلك أدرجه الحاكم ضمن علوم الحديث فقال في النوع الخمسين من كتابه (معرفة علوم الحديث) : ( هذا النوع من هذه العلوم جمع الأبواب التي يجمعها أصحاب الحديث، وطلب الفائت منها والمذاكرة بها) .
كما أن أحد مناهج التصنيف عند المحدثين،ما اصطلحوا عليه بالأجزاء، و (الجزء عندهم تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم وقد يختارون من المطالب المذكورة في صفة الجامع مطلبا جزئيا يصنفون فيه مبسوطا وفوائد حديثية أيضا) 12.وهذا المسلك في إفراد موضوع ما بجزء حديثي ،لاشك يفيد الفقيه في تتبع روايات الحديث،وما اختلفت فيه بالزيادة والنقص،وما بينها من توافق أو تعارض،وما قد يكون في بعضها من أسباب تبين العلة التي من أجلها ورد الحديث، وهل هو عام يراد به العموم،أم وارد على حالة خاصة،أو ما يسميه الفقهاء (قضية عين لا عموم لها) ..إلى غيرها من الفوائد والقواعد التي لا تتأتى إلا بجمع مختلف الروايات، وإعمال النظر فيها.
وقريب من هذا،محاولات ثلة من الباحثين المعاصرين جمع مرويات السيرة النبوية من مختلف مصادرها،والتنسيق بينها،مما يعين على الاقتراب من الصورة الحقيقية للحدث التاريخي على عهد النبوة،ويعين أيضا على فقه السيرة النبوية فقها صحيحا،وحل بعض الإشكالات التي تنشأ من اعتماد بعض الروايات والغفلة عن روايات أخرى في الموضوع.