رأيت الناس في كلامهم الذي هو فصل بينهم وبين الحمير والكلاب والحشرات ينقسمون أقسامًا ثلاثة:
أحدها: من لا يبالي فيما أنفق كلامه ، فيتكلم بكل ما سبق إلى لسانه غير محقق نصر حق ولا إنكار باطل وهذا هو الأغلب في الناس.
والثاني: أن يتكلم ناصرًا لما وقع في نفسه أنه حق ، ودافعًا لما توهم أنه باطل غير محقق لطلب الحقيقة لكن لجاجًا فيما التزم وهذا كثير وهو الأول.
والثالث: واضع الكلام في موضعه ، وهذا أعز من الكبريت الأحمر .
لقد طال هم من أغاظه الحق .
اثنان عظمت راحتهما:
أحدهما في غاية المدح ، والآخر في غاية الذم ، وهما:
مطرح الدنيا ، ومطرح الحياء.
من عجيب تدبير الله عز وجل للعالم أن كل شيء اشتدت الحاجة إليه كان ذلك أهون له ، وتأمل ذلك في الماء فما فوقه.
وكل شيء اشتد الغنى عنه كان ذلك أعز له ، وتأمل في الياقوت الأحمر فما دونه.
الناس فيما يعانونه كالماشي في الفلاة كلما قطع أرضًا بدت له أرضون ، وكلما قضى المرء سببًا حدثت له أسباب .
صدق من قال: إن العاقل معذب في الدنيا. وصدق من قال: إنه فيها مستريح !
فأما تعذيبه ففيما يرى من انتشار الباطل ، وغلبة دولته ، وبما يحال بينه وبينه من إظهار الحق .
وأما راحته فمن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا.
إياك وموافقة الجليس السيئ ومساعدة أهل زمانك فيما يضرك في أخراك أو في دنياك ؛ وإن قل ، فإنك لا تستفيد بذلك إلا الندامة حيث لا ينفعك الندم ، ولن يحمدك من ساعدته بل يشمت بك. وأقل ما في ذلك وهو المضمون أنه لا يبالي بسوء عاقبتك وفساد مغبتك.
وإياك ومخالفة الجليس ومعارضة أهل زمانك فيما لا يضرك في دنياك ولا في أخراك ؛ وإن قل فإنك تستفيد بذلك الأذى والمنافرة والعداوة ، وربما أدى ذلك إلى المطالبة والضرر العظيم دون منفعة أصلًا.