وأما الثالثة: فتوبيخ وتقريع ، وليس وراء ذلك إلا التركل واللطام ، اللهم إلا في معاني الديانة ، فواجب على المرء ترداد النصح فيها رضي المنصوح أو سخط ، تأذى الناصح بذلك ، أو لم يتأذ.
وإذا نصحت فانصح سرًا لا جهرًا ، وبتعريض لا تصريح ، إلا أن لا يفهم المنصوح تعريضك ؛ فلا بد من التصريح.
ولا تنصح على شرط القبول منك ، فإذا تعديت هذه الوجوه = فأنت ظالم لا ناصح ، وطالب طاعة ، ومُلْك لا مؤدي حق أمانة وأُخوة.
وليس هذا حكم العقل ، ولا حكم الصداقة ، لكن حكم الأمير مع رعيته ، والسيد مع عبيده.
لا تكلف صديقك إلا مثل ما تبذل له من نفسك ، فإن طلبت أكثر ، فأنت ظالم.
ولا تكسب إلا على شرط الفقد .
ولا تتول إلا على شرط العزل ، وإلا فأنت مضر بنفسك خبيث السيرة.
من أردت قضاء حاجته بعد أن سألك إياها ، أو أردت ابتداءه بقضائها ، فلا تعمل له إلا ما يريد هو لا ما تريد أنت ، و إلا فأمسك ، فإن تعديت هذا كنت مسيئًا لا محسنًا ، ومستحقًا للوم منه ومن غيره لا للشكر ، ومقتضيًا للعداوة لا للصداقة.
لا تنقل إلى صديقك ما يؤلم نفسه ، ولا ينتفع بمعرفته ؛ فهذا فعل الأرذال.
ولا تكتمه ما يستضر بجهله ، فهذا فعل أهل الشر ، ولا يسرك أن تمدح بما ليس فيك ، بل ليعظم غمك بذلك ؛ لأنه نقصك ينبه الناس عليه ، ويسمعهم إياه ، وسخرية منك وهزؤ بك ، ولا يرضى بهذا إلا أحمق ضعيف العقل.
ولا تأس إن ذممت بما ليس فيك ؛ بل افرح به ، فإنه فضلك ينبه الناس عليه ، ولكن افرح إذا كان فيك ما تستحق به المدح ، وسواء مدحت به أو لم تمدح ، واحزن إذا كان فيك ما تستحق به الذم ، وسواء ذممت به أو لم تذم.
من سمع قائلًا يقول في امرأة صديقه قول سوء ، فلا يخبره بذلك أصلًا ، لا سيما إذا كان القائل عيابة ، وقاعًا في الناس سليط اللسان ، أو دافع معرة عن نفسه ، يريد أن يكثر أمثاله في الناس ، وهذا كثير موجود.