ودليل ذلك أن بعضهم ينال من بعض ، وينحرف عنه عند فقد تلك الرذائل التي جمعتهم ، وإنما نعني إخوان الصفاء لغير معنى إلا لله عز وجل ، إما للتناصر على بعض الفضائل الجدية ، وإما لنفس المحبة المجردة فقط.
ولكن إذا أحصيت عيوب الاستكثار منهم ، وصعوبة الحال في إرضائهم ، والغرر في مشاركتهم ، وما يلزمك من الحق لهم عند نكبة تعرض لهم ، فإن غدرت بهم أو أسلمتهم ، لؤمت وذممت ، وإن وفيت ؛ أضررت بنفسك ، وربما هلكت ، وهذا لا يرضى الفاضل بسواه إذا تنشب في الصداقة .
وإذا تفكرت في الهم بما يعرض لهم وفيهم من موت أو فراق أو غدر من يغدر منهم ؛ كاد السرور بهم لا يفي بالحزن الممض من أجلهم.
وليس في الرذائل أشبه بالفضائل من محبة المدح ، ودليل ذلك أنه في الوجه سخف ممن يرضى به ، وقد جاء في الأثر في المداحين ما جاء ، إلا أنه قد ينتفع به في الإقصار عن الشر والتزيد من الخير ، وفي أن يرغب في ذلك الخلق الممدوح من سمعه.
بعض أنواع النصيحة يشكل تمييزه من النميمة ؛ لأن من سمع إنسانًا يذم آخر ظالمًا له ، أو يكيده ظالمًا له ؛ فكتم ذلك عن المقول فيه والمكيد ، كان الكاتم لذلك ظالمًا مذمومًا ، ثم إن أعلمه بذلك على وجهه كان ربما قد ولد على الذام والكائد ما لم يبلغه استحقاقه بعد من الأذى ؛ فيكون ظالمًا له ، وليس من الحق أن يقتص من الظالم بأكثر من قدر ظلمه ، فالتخلص من هذا الباب صعب إلا على ذوي العقول.
والرأي للعاقل في مثل هذا ، إن يحفظ المقول فيه من القائل فقط ، دون أن يبلغه ما قال ، لئلا يقع في الاسترسال إليه فيهلك.
وأما في الكيد فالواجب أن يحفظه من الوجه الذي يكاد منه بألطف ما يقدر في الكتمان على الكائد ، وأبلغ ما يقدر في تحفيظ المكيد ، ولا يزد على هذا شيئًا.
وأما النميمة فهي التبليغ لما سمع مما لا ضرر فيه على المبلغ إليه ، وبالله التوفيق.
النصيحة مرتان:
فالأولى: فرض وديانة .
والثانية: تنبيه وتذكير .