إما أن أكون شاركته في أمر استرحت إليه استراحة المرء إلى من يقدر فيه ثقة ، وأمانة، فهذا أسوأ الناس حالة ، وكفى به سقوطًا وضعة.
وإما أن يكون عابني بما يظن أنه عيب وليس عيبًا ، فقد كفاني جهله شأنه ، وهو المعيب لا من عاب .
وأما أن يكون عابني بعيب هو فيّ على الحقيقة ، وعلم مني نقصًا أطلق به لسانه ، فإن كان صادقًا:
فنفسي أحق بأن ألوم منه ، وأنا حينئذ أجدر بالغضب على نفسي مني على من عابني بالحق.
وأما أمر إخواني (من نال منهم بحضرته) فإني لست أمسك عن الامتعاض لهم ، لكني أمتعض امتعاضا رقيقًا لا أزيد فيه أن أُنَدِّم القائل منهم بحضرتي ، وأجعله يتذمم ، ويعتذر ويخجل ، ويتنصل ، وذلك بأن أسلك به طريق ذم من نال من الناس ،
وأن نظر المرء في أمر نفسه والتهمم بإصلاحها أولى به من تتبع عثرات الناس ،
وبأن أذكر فضل صديقي فأبكته على اقتصاره على ذكر العيب دون ذكر الفضيلة ،
وأن أقول: إنه لا يرضى بذلك فيك ، فهو أولى بالكرم منك ، فلا ترض لنفسك بهذا ، أو نحو هذا من القول.
وأما أن أهارش القائل فأحميه وأهيج طباعه وأستثير غضبه = فينبعث منه في صديقي أضعاف ما أكره ، فأنا الجاني حينئذ على صديقي ، والمعرض له بقبيح السب ، وتكراره فيه ، وإسماعه من لم يسمعه ، والإغراء به ، وربما كنت أيضًا في ذلك جانيًا على نفسي ما لا ينبغي لصديقي أن يرضاه لي ، من إسماعي الجفاء والمكروه ،
وأنا لا أريد من صديقي أن يذب عني بأكثر من الوجه الذي حددت ، فإن تعدى ذلك إلى أن يساب النائل مني حتى يولد بذلك أن يتضاعف النيل ، وأن يتعدى أيضًا إليه بقبيح المواجهة وربما إلى أبويّ وأبويه على قدر سفه النائل ، ومنزلته من البذاءة ، وربما كانت منازعة بالأيدي ، فأنا مستنقص لفعله في ذلك زارٍ عليه ، متظلم منه ، غير شاكر له.
لكني ألومه على ذلك أشد اللوم وبالله تعالى التوفيق.