فمنها: كلف في الرضاء ، وإفراط في الغضب ، فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملة ، بالكلام والفعل والتخبط ، وامتنعت مما لا يحل من الانتصار ، وتحملت من ذلك ثقلًا شديدًا ، وصبرت على مضض مؤلم ، كان ربما أمرضني وأعجزني ذلك في الرضا ، وكأني سامحت نفسي في ذلك ؛ لأنها تمثلت أن ترك ذلك لؤم.
ومنها دعابة غالية ، فالذي قدرت عليه فيها إمساكي عما يغضب الممازح ، وسامحت نفسي فيها ، إذ رأيت تركها من الانغلاق ، ومضاهيًا للكبر.
ومنها عجْب شديد ، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها ، حتى ذهب كله ، ولم يبق له ـ والحمد لله ـ أثر ، بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة ، واستعمال التواضع.
ومنها محبة في بُعد الصيت والغلبة ، فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة ، والله المستعان على الباقي.
ومنها إفراط في الأنفة بغضت إلي إنكاح الحرم جملة بكل وجه ، وصعبت ذلك في طبيعتي ، وكأني توقفت عن مغالبة هذا الإفراط الذي أعرف قبحه لعوارض اعترضت علي ، والله المستعان.
ومنها حقد مفرط ، قدرت ـ بعون الله تعالى ـ على طيه وستره ، وغلبته على إظهار جميع نتائجه ، وأما قطعه ألبتة ؛ فلم أقدر عليه ، وأعجزني معه أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبدًا.
وأما سوء الظن فيعده قوم عيبًا على الإطلاق ؛ وليس كذلك ، إلا إذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل في الديانة ، أو إلى ما يقبح في المعاملة ، وإلا فهو حزم ، والحزم فضيلة.
.. النائل مني لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما:
إما أن يكون كاذبًا ،
وإما أن يكون صادقًا.
فإن كان كاذبًا فلقد عجل الله لي الانتصار منه على لسان نفسه ، بأن حصل في جملة أهل الكذب .
وبأن نبه على فضلي بأن نسب إليّ ما أنا منه بريء العرض ، وما يعلم أكثر السامعين له كذبه ، إما في وقته ذلك ، وإما بعد بحثهم عمّا قال.
وإن كان صادقًا فإنه لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه: