لأن المعنى الثاني أوجب وأشد وألصق بالحكم من المعنى الأول - بالرغم من أنه مفهوم فدلالة الآية: {فلا تقل لهما أف} . [1] على تحريم الضرب دلالة مفهوم أو دلالة نص , ويجب أن يقدم على دلالة الإشارة لأنها غير مقصودة للشارع أو تكون تابعة أي لازمة للمعنى الأول عقلا فقط وهذا يجعلنا نقول إن ما قاله الشافعي من أن دلالة المفهوم ثابتة بالقياس هذا من حيث الشكل فقط يعني من حيث صورة القياس لا من حيث المعنى والحقيقة؛ لأنه يقدم دلالة المفهوم على دلالة الإشارة ولو كانت ثابتة بالقياس لا يجوز قطعا؛ لأنه كيف يقدم دلالة القياس على دلالة المنطوق (الإشارة) ؟
الدلالة الرابعة: دلالة الاقتضاء: يرى جمهور الأصوليين أنها تؤخر عن دلالة العبارة والنص والإشارة والعلة في ذلك المعنى الثابت بها ليس من موجبات اللفظ فإن معناها استدعته ضرورة تصحيح الكلام شرعا فقط ومع هذا فإنهم يعتبرونها قسما من المنطوق غير الصحيح ولهذا يرى البعض أنها الثابت بدلالة الاقتضاء كالثابت بالنص لأنها أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النَّصُّ لِصِحَّةِ مَا تَنَاوَلَهُ، فَصَارَ هَذَا مُضَافًا إلَى النَّصِّ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى، وَكَانَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَصِحَّ بِهِ الْمَذْكُورُ، وَلَا يُلْغَى عِنْدَ ظُهُورِهِ وَيَصْلُحُ لِمَا أُرِيدَ بِهِ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ} فَإِنَّ الْأَهْلَ غَيْرُ مُقْتَضًى لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْقَرْيَةِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ بَلْ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْمُقْتَضِي إنَّمَا يَكُونُ لِصِحَّةِ الْمُقْتَضَى [2] ومن أمثلة ذلك: قوله:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" [3] فالحديث دال على أن حكم النسيان مرفوع لأن دلالة الاقتضاء نفي تقدير معنى: رفع عن أمتى حكم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه , فالحديث عام يقتضي رفع حكم كل خطأ ونسيان لكن ورد دليل آخر يخصص ذلك العموم وهو خاص بنسيان الصلاة وهو قوله:"من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها" [4] فهو دليل خاص بنسيان الصلاة , فيكون حكم نسيان الصلاة مرفوع في الدنيا والآخرة بصفة عامة إلا ما ورد الدليل بتخصيصه وهو نسيان الصلاة فيخصص ومن عموم الحديث.
ويري بعض الأصوليين تقديم الدال بدلالة الاقتضاء على الدال بدلالة الإيماء والدال بدلالة الإشارة قال الآمدي: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء ودلالة الآخر من قبيل دلالة الإشارة فدلالة الاقتضاء أولى لترجحها بقصد المتكلم لها بخلاف دلالة الإشارة أو أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء والآخر من قبيل دلالة التنبيه والإيماء فدلالة الاقتضاء أولى لتوقف صدق المتكلم أو مدلول منطوقه عليه بخلاف دلالة التنبيه والإيماء أو أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء والآخر من قبيل دلالة المفهوم فدلالة الاقتضاء أولى لوقوع الاتفاق عليها ووقوع الخلاف في مقابلها ولأن ما يعترض دلالة الاقتضاء من المبطلات أقل مما يعترض المفهوم وبهذا كان ما كان من قبيل دلالة التنبيه والإيماء مقدما على دلالة المفهوم أو أن تكون دلالة أحدهما من قبيل المنطوق والآخر من قبيل دلالة غير المنطوق فالمنطوق أولى لظهور دلالته وبعده عن الالتباس بخلاف مقابله. [5] والظاهر تقديم الدال بالإيماء على الدال بالإشارة. ووجه تقديم الدال بالاقتضاء أنه مقصود للمتكلم يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلًا أو شرعًا كما تقدم إيضاحه. ووجه تقديم الدال بالإيماء على الدال بالإشارة، لأن دلالة الإيماء مقصودة للمتكلم، وإن لم يتوقف عليها الصدق أو الصحة، والمدلول عليه بالإشارة ليس بمقصود ولكنه لازم للمقصود كما تقدم إيضاح ذلك كله بأمثلته. وقال صاحب الضياء اللامع:
(1) - سورة البقرة آية 275
(2) - كشف الأسرار للبزدوي ج 1 ص 202
(3) - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار ج 4 ص 328 - المحصول للرازي ج 1 ص 303
(4) - سبق تخريجه ص 32
(5) - الإحكام للآمدي ج4 ص 264