والشتم ونحوها. ولهذا قالوا: إن الآية تنبيه بالأدنى على الأعلى فالحرمة إذا ثبتت بالقدر الأدنى كانت ثابتة للأعلى والأقوى من باب أولى. فحكم النص أولى بشمول الضرب ونحوه؛ لأن العلة فيه أقوى ,وإن كان النص لم يدل عليها نطقا ولغة ,ولهذا قال صدر الشريعة [1] إن دلالة النص هي دلالة اللفظ على الحكم في شيء يوجد فيه معنى يفهم كل من يعرف اللغة أن الحكم في المنطوق لأجل ذلك المعنى. [2] ولهذا قرر البزدوي [3] أنه لما كان الحكم الثابت به معنى وليس عبارة لم يسمى نصا ولما كان ثابتا بطريق اللغة سمي دلالة وأنه يعمل عمل النص فسمي دلالة النص, [4] وهذا معنى قول الجرجاني [5] : أن الكلام على ضربين:
ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده. وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلا بالخروج على الحقيقة فقلت: خرج زيد ,وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ثم تجد لذلك المعنى دلالة تصل بها إلى الغرض ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل. مثل فلان كثير الرماد وطويل النجاد: أي أنه مضياف , وطويل القامة. ثم قال: وإذا عرفت هذا فهاهنا عبارة مختصرة - هي أن تقول المعنى ومعنى المعنى
ونعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه من غير واسطة يعني المنطوق
(المعنى الأول) وبمعنى المعنى: أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر [6] .كدلالة المفهوم الموافق فإنها مفهومة من معنى المنطوق مثل دلالة تحريم الضرب والإيذاء للوالدين من تحريم التأفيف المفهوم من قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} [7] .
ثالثا: مرتبة دلالة النص: يقسم الأصوليون سواء الجمهور, أو الحنفية دلالة النص أو مفهوم الموافقة من حيث قوة إثباتها للحكم المنطوق في الواقعة غير المذكورة إلى قسمين:
1 -دلالة الأولى: وهو المسمى مفهوم الموافق الأولوي أو فحوى الخطاب أو فحوى النص أو روح النص أو معقول النص.
2 -دلالة المساوي: وهو المسمى المفهوم المساوي, أو لحن الخطاب. وسميت بفحوى الخطاب؛ لأن العلة وهي روح النص, وفحواه فهمت من المنطوق بوضوح وقد اختلف في دلالة النص ودلالة الإشارة أيهما يقدم؟ فالحنفية يقدمون الإشارة على دلالة النص , والشافعية يقدمون دلالة النص المفهوم على دلالة الإشارة, والراجح أن تقدم دلالة النص (مفهوم الموافقة بنوعيه) على دلالة الإشارة لما يلي:
1 -إن الثابت بالإشارة غير مقصود أصلا للشرع كما هو مذهب الجمهور. أما الثابت بدلالة النص (بالمفهوم) مقصود قطعا للشرع فيجب تقديمه.
2 -أن الثابت بالإشارة من المنطوق والثابت بدلالة النص مستفاد من العلة ودلالة المنطوق مقدمة على المفهوم"فيقال أن المفهوم هنا دلالته أشد من المنطوق لأن المنطوق طريق للمفهوم وإذا وجب الحكم في المفهوم كان أوجب من المنطوق فلا فرق هنا بعد ثبوته"
(1) - سبق ترجمته
(2) - التلويح على التوضيح ج 1ص 131
(3) -البزدوي: هو الإمام علي بن محمد بن الحسين، ابو الحسن، فخر الاسلام البزدوي. كان امام الحنفية بما وراء النهر. أصولي محدث مفسر. من تصانيفة: (( المسبوط ) )احد عشر مجلدا، و (( شرح الجامع الكبير ) )ببشيباني في فروع الفقه الحنفي، و (( وكنز الوصول الي معرفة الاصول ) )المعروف باصول الزدوي توفي 482 هـ).وهو غير محمد بن محمد بن الحسين البزدوي، ابو اليسر، الملقب بالقاضي الصدر (421 - 493 هـ[الجواهر المضية 1/ 372؛ ومعجم المؤلفين 7/ 192
(4) - أصول البزدوي ج 1ص 74
(5) - سبق ترجمته ص4
(6) - دلائل الإعجاز ج 1 ص 203
(7) - سورة البقرة آية 275