الصفحة 40 من 47

ذلك في حق الغني ففي حق الفقير أولى [1] ,ودل الأمر على وجوب قبول الإحالة وحمله الجمهور على الاستحباب ولا أدري ما الحامل على صرفه عن ظاهره ,وعلى الوجوب حمله أهل الظاهر وتقدم أن المطل كبيرة يفسق صاحبه

وإنما اختلفوا هل يفسق قبل الطلب أو لا بد منه؟ والذي يشعر به الحديث أنه لا بد من الطلب لأن المطل لا يكون إلا معه ,ويشمل المطل كل من لزمه حق كالزوج لزوجته والسيد في نفقة عبده ,ودل الحديث بمفهوم المخالفة أن مطل العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم ومن لا يقول بالمفهوم يقول لا يسمى العاجز ماطلًا ,والغني الغائب عنه ماله كالمعدوم [2] يؤخذ من هذا أن المعسر لا يطالب حتى يوسر قال الإمام مسلم معلقا علي الحديث: ومطل غير الغني ليس بظلم ولا حرام بمفهوم الحديث؛ لأنه معذور ولو كان غنيا ولكنه ليس متمكنا من الأداء لغيبة المال أو لغير ذلك جاز له التأخير إلى الإمكان [3]

3 -حكم الزوجة غير العاصية لزوجها: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" [4] و الحديث دليل على أن الملائكة تدعو على المغاضبة لزوجها الممتنعة من إجابته إلى فراشه [5] ويدل بالمفهوم على أن غير العاصية لا تلعنها الملائكة

الفرع الثاني

مراتب الدلالات في الاحتجاج

أولا: لا خلاف بين الأصوليين على أن الدلالة على اختلاف أنواعها تفيد معني ثابتا بها قطعا أو ظنا لكنها متفاوتة في قوة الاحتجاج بها لتفاوتها في وجه دلالتها على المعنى أو الحكم الدالة عليه.

ثانيا: اختلف الأصوليون في ترتيب الدلالات بحسب قوتها وتعددت آرائهم في بيان أقوى الدلالات وأضعفها وما يقوم منها عند التعارض وخلاصة أقوالهم فيها على النحو التالي:

1 -أقوى الدلالات دلالة المنطوق الصريح الثابت بالعبارة والسبب في ذلك أمران:

أولهما: أن المعنى الثابت بها مستفاد من النص مباشرة بالمنطوق, أوأن عبارة اللفظ دالة عليه مباشرة.

ثانيهما: أن المعنى المدلول عليه مقصود للشارع أصالة أو يكون تابعا لمقاصد الشرع من النص وقد سبق أن دلالة العبارة هي دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له , أو على جزئه أو على لازمه مع قصد الشارع له ,أو المتكلم بهذا المعنى وسياق الكلام لأجله فهي ليست المعنى الحرفي للنص وإنما هي التضمني والإلزامي معا مادام ذلك مقصود الشارع أو المتكلم وعلى سبيل المثال في قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [6] المعنى المطابق لهذا النص هو: إباحة البيع الذي هو مبادلة مال بمال لكن هذا المعنى التام للنص يلزم عنه عقلا معنى آخر وهو التفرقة بين حكم البيع وحكم الربا و كلا المعنيين مقصود للشرع , والنص عبارة فيهما غير أن هذا المعنى الثاني لازم عقلي وإن كان مقصودا أوليا , ولهذا قالوا: إن دلالة النص عليه بطريق العبارة بالرغم من أنه لازم عقلي. [7]

الدلالة الثانية: دلالة الإشارة فهي تالية في القوة لدلالة العبارة أو عبارة النص. والعلة في ذلك أن المعنى الثابت بها , وإن استفيد من النص لزوما لكنه غير مقصود للشارع أصلا عند الجمهور. ولهذا تأخرت عن دلالة عبارة النص , لأن ما هو مقصود مفهوم على ما هو غير مقصود ,وإن كان هناك من العلماء كصدر الشريعة الحنفي [8] الذي يرى أن الثابت بدلالة الإشارة مقصود للشارع أو المتكلم بطريق التبع وعلى سبيل المثال قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر} [9] .فقد دلت الآية على معنيين:

أولهما: وجوب السؤال لأهل العلم , وهذا هو المعنى المطابقي الموضوع له اللفظ لغة , وهو مقصود للشارع والنص من أجله.

ثانيهما: وجوب إيجاد علماء متخصصين في الأمة للقيام بهذه المهمة , فهذا المعنى لازم عقلي للمعنى الأول. حيث يستلزم المعنى الأول ضرورة هذا المعنى وإلا لم يكن له فائدة حتى ولو كان اللازم غير مقصود من النص. فهنا دل النص على المعنى الأول بطريق العبارة (دلالة العبارة) وعلى المعنى الثاني بطريق الإشارة وإن كان حجة عليهما معا لأنهما يثبتان به قطعا , لكن يظهر التفاوت بينهما عند التعارض [10] أن المعنى الأول الثابت بدلالة العبارة يقدم على المعنى الثاني الثابت بدلالة الإشارة؛ لأن ألأول مقصود أساسي , والثاني تابع , والمقصود يقدم على التابع.

الدلالة الثالثة: دلالة النص وهي مفهوم الموافقة عند الجمهور وهي: أن يفهم من معنى النص معنى آخر يعني: أن يدل المعنى على معنى المعنى يعني: أن يثبت حكم المنطوق للمفهوم لاشتراكهما في المعنى ,أو العلة التي استوجبت ذلك الحكم , وهو ما يطلق عليه فحوى النص أو فحوى الخطاب وهو المعنى المستفاد من روح النص ومعقوله ومعناه أو ما دل عليه المعنى الأول أو معنى المعنى أو المعنى الثاني , ومن أمثلته قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [11] فلفظ التأفيف موضوع لمعنى السأم والضجر وهو دليل على تحريم الإيذاء مطلقا. لكن الإيذاء من معاني التضجر بل هو معنى المعنى أو غاية المعنى وأثره , وعلى هذا فإن فهم دلالة النص عن طريق اللغة وليس اجتهادا أو استنباطا وإن كان رأي الإمام الشافعي أنها مفهوم بطريق القياس الأولي؛ لأن القول عليه في الحكم هو علة المعنى الأول التي من أجلها كان المعنى الثاني؛ لأن الآية دالة بالمنطوق على المعنى الأول وهو تحريم التأفيف , و المعنى الأول يفضي إلى المعنى الثاني , التأفيف دال على تحريم للضرب ونحوه ,ولهذا فإن فهم معنى الضرب من التأفيف أمر لغوي؛ لأن الضرب التأفيف يشتركان في الأثر لا في المدلول. وإن كان اشتراكهما في الأثر مترتب على تفاوت تأذي التأفيف أقل من أذى الضرب فيكون الأذى في الأشد أولى بالتحريم من الأذى بالأخف. فالأثر هو علة الحكم أو السبب الموجب له وهو ما يسمى بمعنى المعنى فمثلا النص هنا أفاد بمعناه الوضعي حرمة التأفيف , وأفاد بمعنى معناه حرمة ما هو أشد من التأفيف كالضرب

(1) - سبل السلام ج 1 ص 116

(2) - المرجع السابق ج 1 ص 116

(3) - صحيح مسلم ... ج 3 ص 1197

(4) -أخرجه البخاري ك بدء الخلق باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى ج 3 ص 1182 و مسلم في النكاح باب تحريم امتناعها من فراش زوجها رقم 1436 ج 2 ص 1058. نيل الأوطار ج 6 ص 262

(5) - نيل الأوطار ج 6 ص 262

(6) -- سورة البقرة آية 275

(7) - المناهج الأصولية ص 227 - أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص 142 ط/ دار القلم - الكويت سنة 1972 م

(8) - صدر الشريعة هو الإمام عبد الله بن مسعود بن محمود البخارى الحنفى صدر الشريعة الأصغر من صدر الشريعة الأكبر من علماء أصول الفقه والدين له كتاب التنقيح في أصول الفقه وشرح التوضيح وكتاب شرح الوقاية في فقه الأحناف توفى في بخارى. سنة 747 هجرية موسوعة الأعلام - أوقاف مصر ج 1 ص 316

(9) -سورة الأنبياء آية 7

(10) - المناهج الأصولية ص231

(11) - سورة الإسراء آية 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت