تعريفه اصطلاحا: هو تقييد الخطاب بالحال , ومفهوم الحال يرجع إلى مفهوم الصفة حيث المراد بالصفة ما هو أعم من النعت. قال ابن السمعاني [1] : ولم يذكره المتأخرون لرجوعه إلى الصفة [2]
النوع الثامن والتاسع: مفهوم الزمان والمكان
تعريفه: هو تقييد الحكم بزمان معين. وقد سبق أن مفهوم الصفة يشمل الزمان والمكان والجار والمجرور والحال و نحوها. ومثال الزماني قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} [3] يفهم منه أنه لا حج في غيره. و قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} [4] ... . ومثال المكاني: {وأنتم عاكفون في المساجد} [5] يفهم منه أنه لا اعتكاف في غير المسجد عند من يقول ذلك [6] . ويتفرع على ذلك فروع من أهمها:
1 -إذا قال لوكيله: افعل هذا ثم قال في يوم كذا أو في مكان فقياس ما قاله الشافعي يكون منعا له فيما عدا ذلك:
2 -إذا قال: زوِّج ابنتي في يوم كذا, أو في مكان كذا فخالف فإن العقد لا يصح كما جزم به الرافعي.
3 -الخلاف في صحة الوقف المقيد بمدة كسنة ونحوها إن قلنا مفهوم الزمان فلا يصح؛ لأن شرط الوقف التأييد وإن قلنا: لا يدل صح؛ لأنه قد وقفه في هذه المدة ولم يوجد منه ما يتقيه فيما عداها. وقد أمكن تصحيحه في السنة بتصحيحه مطلقا فذهبنا إليه وهو نظير ما إذا طلق زوجته نصف طلقة فإنها تقع طلقة؛ لأنه لا يمكن إيقاع النصف إلا بإيقاع الطلقة. [7]
المطلب الثالث
مقارنة بين منهج جمهور الفقهاء وبين منهج الحنفية ومراتب
الدلالة والترتيب بين المنطوق والمفهوم والتعريض
ويشتمل علي ثلاثة فروع:
الفرع الأول: مقارنة بين منهج جمهور الفقهاء وبين منهج الحنفية
الفرع الثاني: مراتب الدلالة في الاحتجاج
الفرع الثالث: أثر تفاوت قوة الدلالة ... الفرع الأول
مقارنة بين منهج جمهور الفقهاء وبين منهج الحنفية
تبين فيما سبق أن العلماء اختلفوا في بيان كيفية تلقي المعني من اللفظ وتعددت مناهجهم ... وهذه المناهج ليست محصورة في طريقتي الجمهور والحنفية فقد تبين من لحن الكلام أن ثمة طرق أخري في تقسيم الدلالة كطريقة الغزالي في المستصفى, وإمام الحرمين في البرهان وغيرهما لكن المحصلة في النهاية أن ما يسمي بالمنطوق عند الشافعية شامل لدلالة العبارة والإشارة والاقتضاء عند الحنفية ,فمثلا دلالة الإيماء عند الشافعية هي: قسم من أقسام المنطوق غير الصريح وتندرج تحت عبارة النص عند الحنفية , وأما مفهوم الموافقة عند الجمهور فهو بعينه: دلالة النص عند الحنفية , وإن كان يرى البعض من الحنفية و الشافعية أن مفهوم الموافقة أو دلالة النص قسم من أقسام دلالة المنطوق؛ لوضوح دلالتها على المعنى وعلى هذا يكون المفهوم عندهم قسما واحدا وهو مفهوم المخالفة فقط. وعلى هذا فإن الجمهور والحنفية متفقون على أن طرق الدلالة على الأحكام أربعة , وإن اختلفت مناهجهم في التنويع والتقسيم والأسامي واتفقوا أيضا على صحة الاحتجاج بها جملة
وأما اختلاف ابن حزم [8] في مفهوم الموافقة فلا قيمة له لعدم وجود دليل قوي يؤيد وجهة نظره لأنه يعتبره قياس وهو لا يعمل بالقياس وفي عدم عمله بالقياس مخالفة لإجماع الأمة ولهذا فلا يعتد به ,ويلاحظ أن اختلاف الحنفية مع الجمهور في دلالة مفهوم المخالفة لا يقوم على أساس لغوي تشريعي ولا منطق لمخالفتهم ولذا يقرر كثير من العلماء أنه خلاف لا اعتبار به
ثانيا: بعض الآثار المترتبة علي الاختلاف بين الجمهور والحنفية في حجية مفهوم المخالفة ما يلي:
1 -الاختلاف في حكم ثمرة النخل المبيع قبل تأبيره وبعده [9]
زوي ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - أنه قال:"من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ومن ابتاع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" [10] نَخْلًا هو اسم جنس يذكر ويؤنث والجمع نخيل (بَعْدَ أَنْ تُؤَبّرَ) والتأبير التشقيق والتلقيح وهو شق طلع النخلة الأنثى ليذرفها شيء من طلع النخلة الذكر (فَثَمَرَتُها للذي باعها إلاّ أَنْ يَشْتَرط المُبْتاعُ"دل الحديث على أن الثمرة بعد التأبير للبائع وهذا منطوقه , ومفهومه أنها قبله للمشتري وإلى هذا ذهب جمهور العلماء عملًا بظاهر الحديث"
وقال أبو حنيفة [11] : هي للبائع قبل التأبير وبعده فعمل بالمنطوق ولم يعمل بالمفهوم بناء على أصله من عدم العمل بمفهوم المخالفة, ورد عليه بأن الفوائد المستترة تخالف الظاهرة في البيع فإن ولد الأمة المنفصل لا يتبعها والحمل يتبعها, وفي قوله إلا أن يشترط المبتاع دليل على أنه إذا قال المشتري اشتريت الشجرة بثمرتها كانت الثمرة له
2 -حكم مطل العاجز والمعسر عن الأداء [12]
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مطل الغني ظلم وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع. [13] فقد دل الحديث على تحريم المطل من الغنيّ , والمطل هو المدافعة والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر من قادر على الأداء والمعنى على تقدير أنه من إضافة المصدر إلى الفاعل أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه بخلاف العاجز, ومعناه على التقدير الثاني: أنه يجبَ وفاءُ الدين ولو كان مستحقه غنيًا فلا يكون غناه سببًا لتأخير حقه وإذا كان
(1) - سبق ترجمته
(2) - إرشاد الفحول ج 1ص 268, التمهيد ج 1 ص 260
(3) -سورة البقرة آية 197
(4) - سورة الجمعة آية 9
(5) - سورة البقرة أية
(6) - مذكرة أصول الفقه ج 1 ص 117
(7) - التمهيد ج 1 ص 260
(8) - سبق ترجمته
(9) - سبل السلام ج 1 ص 108
(10) -أخرجه البخاري ك المساقاة باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل ج 2ص 838 ومسلم ك البيوع باب من باع نخلا وعليه ثمر ج 3 - ص 1172 سنن الترمذي ك البيوع باب بيع النخل بعد التأبير والعبد وله مال ج 3 ص 546 سنن النسائي ك البيوع باب العبد يشترى ويسستثنى المشتري ماله ج 7 ص 297
(11) - ابوحنيفة هو الإمام النعمان بن ثابت بن كاوس بن هزمر. ينتسب الي تيم بالولاء. الفقيه المجتهد المحقق الامام، احد أئمة المذاهب الاربعة، قيل: أصلة من ابناء فارس، ولد ونشأ بالكوفه كان يبيع الخز ويطلب العلم؛ ثم انقطع للدرس والافتاء. قال فية الامام مالك (( رأيت رجلا لو كلمته في هذة السارية أن يجعلها ذهبا لقام بجته ) )وعن الامام الشافعي انه قال: (( الناس في الفقه عيال علي ابي له (( مسند ) )في الحديث؛ وتنسب الية رسالة (( الفقه الاكبر ) )في الاعتقاد توفي سنة150 هـ الاعلام للرزكلي 9/ 4؛ والجواهر المضية 1/ 26
(12) - سبل السلام ... ج 1 ص 116
(13) - سبق تخريجه