رابعا: أن ابن عباس - رضي الله عنه - فهم من قوله:"إنما الربا في النسيئة" [1] بقي ربا الفضل. ومنهم قوله تعالى: {فإن كان له ولد وورثه أبواه فلأمه السدس} [2] أنه إن كان له أخوان فلأمه الثلث وأنه سبحانه لما جعل للأخوات النصف يشرط عدم الولد دل على انتفائه عند وجود الولد. واعترض عليهم من وجوه:
1 -بأن هذا غايته أن يكون مذهبا لابن عباس وحده ولا حجة فيه.
2 -أن جميع الصحابة خالفوه فإن دل مذهبه على مفهوم المخالفة دل مذهبهم على نقيضه.
3 -أنه لم يثبت أنه نفي ربا الفضل بمجرد هذا اللفظ بل بدليل آخر وقرينة أخرى. [3]
4 -لعل ابن عباس اعتقد أن البيع أصله على الإباحة بدليل العقل أو عموم قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [4] فإذا كان النهي قاصرا على النسيئة كان الباقي حلالا بالعموم ودليل العقل لا بالمفهوم. [5]
استدل النافون لمفهوم المخالفة بما يلي:
أولا: أن أساليب اللغة دالة على صحة العمل به ومن ذلك ما يلي:
أ- حسن الاستفهام فإن من قال: إن ضربك زيد عامدا فاضربه. حسن أن يقول فإن ضربني خاطئا أفأضربه؟ وإذا قال: أخرج الزكاة من ماشيتك السائمة حسن أن يقول: هل أخرجها من المعلوفة؟ وحسن الاستفهام يدل على أن ذلك غير مفهوم فإنه لا يحسن في المنطوق , وحسن في المسكوت عنه. فإن قيل حسن لأنه قد لا يراد به النص مجازا فيقال في الجواب قلنا الأصل أنه إذا احتمل ذلك كان حقيقة وإنما يرد إلى المجاز بضرورة دليل ولا دليل. [6]
ثانيا: أن أساليب اللغة لا تثبت بالنقل الأحادي بل لابد فيها من التواتر ومثل ما روي عن القاسم والشافعي لا يخرج عن كونه أحاد أو اجتهاد منهم فقط.
ويرد عليهم بأن اشتراط التواتر يؤدي إلى ضياع كثير من الأساليب فمعظم قواعد اللغة وأساليبها نقلت فقط بالنقل الأحاد كالنقل عند الأصمعي والجليل وسيبويه وغيرهم. [7] ,على أنه لو سلمنا ذلك فإن القول بمفهوم المخالفة قد ورد عن الأئمة الثلاثة وغيرهم من علماء اللغة فيدخل في عموم التواتر.
ثالثا: لو كان تعليق الحكم على الصفة موجبا لنفيه عند عدمها لما كان ثابتا عند عدمها لأنه يلزم منه مخالفة الدليل وهو على خلاف الأصل , لكنه ثابت مع عدمها والدليل على ذلك قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [8] فالنهي عن قتل الأولاد معلق بخشية الإملاق وهو منهي عنه أيضا في حالة عدم خشية الإملاق.
ونوقش بأن تعليق الحكم على الصفة لا يكون موجبا لنفيه عند عدمها إلا إذا لم تكن في حالة العدم أولى بإثبات حكم الصفة , أما إذا كانت حالة العدم أولى بإتيان حكم الصفة فلا يكون موجبا لها عند العدم كما في قتل الأولاد فإنه عند عدم خشية الإملاق أولى بالتحريم من حالة خشية الإملاق.
(1) - أخرجه مسلم ك المساقاة باب بيع الطعام مثلا بمثل ج 8 ص 283 - سنن الترمذي ج 5 ص 23 - والنسائي ك البيوع باب بيع الذهب بالقضة ج 14 ص 143 - سنن ابن ماجه ج 7 ص 22
(2) -سورة النساء آية 11
(3) - السيل الجرار ج 3 ص 67
(4) - سورة البقرة آية 275
(5) - المستصفى ج 1ص 268
(6) - المستصفى ج 1ص 266
(7) - العضد ج 2 ص 79 - المسودة ج 1ص 320 - 321
(8) - سورة الإسراء آية 31