مقصود للشارع وتتوقف عليه بلاغة الكلام فقط لا صدقه ولا صحته عقلا أو شرعا. [1] ومن أمثلتها:
1 -قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [2] فقد رتب الشارع الأمر بقطع يد السارق على وصف وهو السرقة بحرف الفاء"فاقطعوا"فدل ذلك بطريق الإيماء لا التصريح أن السرقة مرتبة على القطع وسبب موجب له فالتعليل في الآية معنى لازم مقصود للشرع وقد أومأ إليه اللفظ ولم يصرح به وهو تتوقف عليه بلاغة الكلام وحكمة الشرع.
والترتيب هنا يشعر بكون وصف السرقة علة الحكم لكن تعميم الحكم مع العلة مفهوم بدلالة العقل وليس باللغة فالعقل يقضي بأنه كلما وجدت العلة وجد الحكم , ولا مدخل للغة في التكرار ولا العرف. والتعليل في الآية مومئ إليه؛ لأنه لا تدل عليه الفاء صراحة لأنها لم توضع في اللغة لذلك وإنما الذي أفاد هو الترتيب مع التعقيب فهو مشعر بالعلية أو السببية. [3] نعم لكنها تفيد السرعة في تنفيذ القصاص. [4]
2 -قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [5] فترتب الحكم وهو الجلد على الوصف المشتق وهو الزنا بفاء التعقيب يومئ إلى أن الزنا علة لوجوب الجلد والقاعدة الأصولية مفادها أن ترتيب الحكم على المشتق -الوصف - يؤذن بعلية ما منه الوصف المشتق [6]
3 -قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} [7] أي بسبب برهم وبسبب فجورهم فاللام للتعليل فيفيد أن البر علة للنعيم والفجور علة ومسبب للجحيم فهو إيماء إلى أن ما صاروا فيه من النعيم بسبب برهم. [8]
والإيماء من مسالك العلة عند الأصوليين ويتحقق عندما يكون التعليل لازمًا من مدلول اللفظ وصفا وهو على أنواع ستة بيانها فيما يلي:
النوع الأول: ترتيب الحكم على الوصف بفاء التعقيب أو السببية كما في الأمثلة السابقة.
النوع الثاني: إذا حدثت واقعة فرفعت إلى النبي - فحكم عقبها بحكم فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم مثل: ما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي - فقال: يا رسول الله هلكت. فقال: وما أهلكك؟ قال: واقعت أهلي في نهار رمضان. فقال: اعتق رقبة. [9] فدل على أن الوقاع في نهار رمضان علة أو سبب للعتق. وهذا القسم ملحق بالذي قبله ,وإن كان دونه في الظهور لكون الفاء فيه مقدرة. [10]
النوع الثالث: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدر بالتعليل به لما كان لذكره فائدة ومنصب الشارع مما ينزه عنه وهذا القسم على أصناف قد يكون بسؤال أو بدونه فإن كان بسؤال مثل: أنه - سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فقال - فلا إذن. [11] فهذا وإن فهم منه النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر من ترتيبه الحكم على الوصف بالفاء واقترانه بحرف"إذا"وهي من صيغ التعليل غير أننا لو قدرنا انتفاء هذين لبقي فهم التعليل بالنقصان بحاله نظرا إلى أنه لو لم يقدر التعليل لكان ذكره والاستفسار عنه غير مفيد. وإن كان في غير محل السؤال وهو أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر النظير لمحل السؤال لما في حديث الخثعمية: يا رسول الله إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج فإن حججت عنه أيذهبن ذلك؟ فقال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان ينفعه ذلك؟ فقالت: نعم. فقال: فدين الله أحق بالقضاء. [12] فهي سألت النبي - عن الحج. وقد ذكر لها - دين الآدمي , والحج من حيث هو دين نظير الدين الآدمي فذكره لنظير المسؤول عنه مع ترتيب الحكم عليه يدل على التعليل به وإلا كان ذكره عبثا. ويلزم من كون نظير الواقعة علة للحكم المرتب عليها أن يكون المسؤول عنه علة لمثل ذلك الحكم بالمماثلة وقد دل عليه بالإيماء [13]
النوع الرابع: أن يفرق بين أمرين في الحكم بذكر الصفة فذلك يدل على أن الصفة علة للحكم؛ لأنها الفرق بينهما كما في قوله:"لا يرث القاتل" [14] بعد بيان غيره وقوله:"للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم" [15]
النوع الخامس: أن يذكر الشارع الكلام لبيان مقصود ويذكر في أثنائه شيئا آخر لو لم يكن علة للحكم المطلوب كان له تعلق بالكلام مثل قوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [16] فالآية مسوقة لبيان أحكام الجمعة لا لبيان أحكام البيع فقوله: وذروا البيع طلب ترك البيع فكان نهيًا فلو لم يعتقد كون النهي عن البيع علة للمنع عن السعي الواجب للجمعة لما كان مرتبطًا بأحكام الجمعة وذلك ممتنع. [17]
النوع السادس: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا قياسيًّا مثل قوله:"لا يقضي القاضي وهو غضبان" [18] فهو مشعر بكون الغضب علة مانعة من القضاء لما فيه من تشويش الفكر واضطراب الحال فإذا قرن في الحكم لفظة وصفا مناسبا غلبت على الظن اعتباره علة له. [19]
النوع الثالث: دلالة الاقتضاء: وهي دلالة اللفظ على معنى مقدر لازم للمنطوق متقدم عليه يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا ويكون ذلك مقصودا للمتكلم أو من
(1) - المناهج الأصولية 368
(2) - سورة المائدة آية 38
(3) - المناهج الأصولية ص 370 - 371
(4) - الجنى الداني في حروف المعانى ص 375
(5) - سورة النور آية 2
(6) - المناهج الأصولية ص 370 - 371
(7) - سورة الانفطار آية 13
(8) - معالم أصول الفقه للجيزاني ص 453
(9) - أخرجه البخاري ك الهبة وفضلها باب إذا وهب هبة وقبضها الآخر ولم يقل قبلت رقم 1834 ج6ص 2468مسلم ك الصيام باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان علي الصائم- ج 2 ص 781رقم 1111 وفي َسنن الترمذي -ج 3 ص 168 - وفي سنن ابن ماجه ج 5 ص 179 - وفي مسند أحمد ج 15 ص 30 - وفي سنن الدارمي ج 5 ص 219
(10) - الأحكام للآمدي ج 3 ص 281
(11) - أخرجه مسلم ك البيوع باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا العرايا رقم 1542وابن حبان كالبيوع باب البيع المنهي عنه رقم 4997ج11ص372 مالك في الموطأ -ج 4 ص 317
(12) - أخرجه البخاري ك الصيام باب من مات وعليه صوم ج2ص690رقم 41ومسلم كالصيام باب قضاء الصوم عن الميت رقم 1148النسائي ج 8 ص 461 - وفي مسند الإمام أحمد ج 4 ص 244
(13) - الأحكام للأمدي ج 3 ص 281
(14) - أخرجه أحمد ج 1 ص 332 - سنن البيهقي ك الفرائض باب لا يرث القاتل رقم 12022 وفي سنن الدارمي ج 9 ص 391 - ... ص 398 - وفي سنن الدارقطني -ج 9 ص 490 - وفي مصنف عبد الرزاق ج 9 ص 404 - وفي مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 424
(15) - أخرجه أبو داود -ج 7 ص 370 - وفي سنن الترمذي ج 6 ص 48 - وفي سنن ابن ماجه ك الديات باب القاتل لا يرث رقم 14ج 8 ص 385 - وفي سنن الدارمي ج 7 ص 416 - وفي صحيح ابن حبان ج 20 ص 138 - وفي صحيح ابن حبان ج 20 ص 145
(16) 6 - سورة الجمعة آية 9
(17) - الأحكام للأمدي ج 3 ص 285
(18) - أخرجه البخاري ج 22 ص 74باب هَلْ يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ يُفْتِي وَهُوَ غَضْبَانُ صحيح مسلم ج 9 ص 115 َاب كَرَاهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ والترمذي ج 5 ص 170 - وفي سنن ابن ماجه ج 7ص 106 - وفي صحيح ابن حبان ج 21 ص 162
(19) - الأحكام للأمدي ج 3 ص 286 - أصول مذهب الإمام أحمد ص 134