وأجاب الجمهور بأن الآية نص في التحليل وهو يدل على تحريم سابق، ولو كان المراد بها منع الأنفة من نكاح الكتابية بعد الإسلام لكفي قوله {والمحصنات من المؤمنات} لعمومه في كل من آمن ولم يبق لعطف الكتابية فائدة 0
قال أصحاب الرأي الثاني: إن الآيات الدالة على وجوب المباعدة بين المسلمين والكفار نصٌ على تحريم الزواج بهن كما في قوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [1] وقوله تعالى: {لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء} [2] 0
ولأنه عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة ويصير ذلك سببا لميل الزوج إلى دينها، وعند حدوث الولد ربما مال الولد إلى دينها وفي كل ذلك إلقاء بالنفس في الضرر من غير حاجة، كما أن قوله في ختام الآية {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} من أعظم المنفرات عن التزويج بالكافرة [3] 0
وقد روى عن عطاء أنه قال إنما رخص الله في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت (أي بدء الإسلام) لأنه كان في المسلمات قلة وأما الآن ففيهن الكثرة العظيمة فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة [4] 0 يعنى يبقى زواج الكتابية الآن غير جائز لعدم الحاجة إليهن 0
وأجاب الجمهور بما يلي:
أولًا: أن قوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} المراد بها نهى المؤمنين عن القيام على نكاح الكافرات، لانقطاع العصمة بينهم، قال بن عباس في تفسيرها: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها من نسائه، ولأن اختلاف الدارين قطع العصمة بينهما، فهي نهى عن أن يكون بين المسلمين وزوجاتهم المشركات الباقيات في دار الحرب وهي مكة - في فترة ما قبل الفتح - علقة من علائق الزوجية [5] على أن
(1) سورة الممتحنة آية 10
(2) سورة الممتحنة آية 1
(3) الرازي جـ 10 ص 576
(4) الرازي جـ 10 ص 576 - جامع الأحكام الفقهية جـ 2 ص 237 وقد ذكر ابن حجر في الفتح: أن عطاء كره نكاح اليهوديات والنصرانيات وقال كان ذلك والمسلمات قليل، ثم قال ابن حجر وهذا ظاهر أنه خص الإباحة بحال دون حال 0 فتح الباري جـ 9 ص 327
(5) الفتوحات الإلهية على الجلالين جـ 4 ص 330 - 331