ومقررات علوم الحديث اليوم هي تلك المختصرات المخلة التي صورت علوم الحديث تصويرًا قاصرًا، قصرته على النوع ومثاله ولما تغص في أعماقه، فأصبحت صورته عند كثير من طلبة الجامعات مختصرات لا عمق فيها ولا إثارة لدقائق صناعة النقد، ولا تأصيلها من كتب النقاد الأوائل، واستخراجها من أعمالهم وتطبيقاتهم غضة طرية، ولا تجدهم ينقلون نصوص النقاد في الحكم على الأسانيد والرجال، مما يعد ثروة نقدية هائلة. ولست أقصد هنا الدعوة إلى بسط المادة، وإنما المقصود استمدادها من أصولها، وعدم الاقتصار في تقديم مذكرات علوم الحديث للطلبة على مختصرات المتأخرين التي تتشابه وتكاد تكون مادتها واحدة إلا فيما ندر، وبعضها ليست فيه الملكة الكافية والدراية التامة بالعلم، ولا توجيه فيها لخفايا الفن وغوامضه، ولا فوائد إضافية تتعلق بالتمثيل العائد إلى الاستقراء والتتبع من قبل المؤلف، وهذه منها جملة، فإذا كان حال بعضها هو هذا الحال، فكيف بهذه المعاصرة التي تنقل عنها، ولم ترم ما فيه إضافة علمية محققة منها. ولعل بعض المتأخرين كان يجعل بعض مختصرات في العلوم لمراجعة نفسه، لا لتعميمها واعتماد الطلبة عليها. كما أن من يقدر على حسن التأليف بما أوتي من ذكاء وذوق في الرصف والترتيب قد لا يكون صاحب دراية وامتلاك للفن، فيشكر صنيعه في التأليف ويبقى الافتقار إلى عبارات الملكة، والمالك لعبارات الاصطلاح، الغائص في أحراج الأسانيد المستخرج لدقائق التنقيد.
المحور الثالث: اقتراحات وتوصيات:
حين يقترح منهج لتدريس علوم الحديث لا غنى لنا عن اعتبار أمرين:
الأول: تاريخ علوم الحديث وطرائق المحدثين، ومدارسهم وعلومهم، ومناهج التحصيل عندهم، فلا طريق لأحد إلا طريقهم.