ومع استقرار المناهج التعليمية في الجامعات بأخذ العلوم المختلفة مع بعضها شيئًا فشيئًا من غير إفراد علم بالانتهاء فيه وختمه، وغاية ما يوجد إيلاء الكلية المتخصصة وقتا أكثر واهتماما أبلغ لمواد التخصص. فكلية الشريعة تركز على الفقه والأصول أكثر، وكلية أصول الدين تركز على العقيدة والتفسير، وكلية الحديث تركز على الحديث وعلومه أكثر وهكذا.
لذا يبدو من المناسب توجيه الطالب إلى تخصصه بعد التأكد من ميوله واستعداده الذهني وموافقة طبعه. فالذي يرغب في الحديث وعلومه وألمحنا فيه القدرة عليه، ودلتنا الأمارات على استعداده له، ساعدناه على بلوغ مراده. على أنه لا مانع في تقديري من إعادة النظر في منهج جمع العلوم دفعة واحدة، ومحاولة إدخال بعض الخطوات التي تمكن من تحقيق تلك المعاني السالفة لاستيعاب وتجاوز صعوبات علوم الحديث.
طريقة التدريس والكتب المقررة:
للناس عند الدرس والتصنيف صنعتان:
إحداهما: أن يلتقط الألفاظ المفردة فيفسرها لفظًا لفظًا، حتى إذا فرغ منها رجع إلى التراكيب ففسرها.
ثانيها: أن يخلط الكل ويضربها ضربة، ففي كل تركيب تبين مفرداته ونسبته.
والأولى أحظى بتحرير المفردات على ما ينبغي، ولكن لا تخلو من صعوبة على المبتدئ وتهويل عليه، فهي لائقة بالمتوسط والمنتهي، والثانية أرفق.... (1) .
والمدرس الذي يحسن صنعة التدريس يراعي تفاوت فهوم الطلبة، ويتحرى انسب الطرق لفهمهم، ويعطي لكل حالة ما يليق بها، فقد لا يبلغ الطالب لقصوره إلى فهم العبارة المحكمة، فلا بد من النزول إلى عبارة أوضح بألفاظ متداولة، وتراكيب تليق بحاله، ولا عيب في ذلك حيث كان المقصود الإفهام، وذلك إنما هو حيث يتفق أن يبتلى الكبير بتعليم الصغير، وإلا فالأشبه الجنس بالجنس، فإن المبتدى يشق عليه إدراك عبارات الفحول، والفحل يشق عليه النزول إلى مقاصد الصبيان، وقد قال أبو العباس ابن البناء في نحو هذا:
(1) القانون لليوسي: 335.