الصفحة 47 من 63

ومع هذا فقد برز في تاريخ الإسلام علماء جامعون لأطراف العلوم، فلقب إمام الأئمة لا يقال إلا لمن جمع الحديث والفقه كمالك وابن خزيمة مثلا، وبرع جماعة منهم في علوم لما كانت الهمم متوافرة والقلوب أوعية فسيحة، والإخلاص وحسن النية يدفعهم، فإن الله يهب ما يشاء لمن يشاء، وكل قاعدة لها استثناء. وإنما يربطون الجمع بين علوم بجودة المتعلم ونشاطه وقدرته على التوفيق بينها في آن واحد. فلو أخذنا مختلف البلاد والجهات لوجدناهم يتفاوتون في ذلك، فأهل الأندلس يراعون في التعليم القرآن أولا لكن مع رواية الشعر والترسل وأخذهم بقوانين العربية وتجويد الخط والكتاب، وأهل إفريقية يخلطون للولدان القرآن بالحديث في الغالب ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها، وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك، وأهل المغرب يقتصرون على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله، لا يخلطون القرآن بغيره في مجالس تعليمهم. أما أبو بكر ابن العربي فذهب إلى تقديم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس، قال: لأن الشعر ديوان العرب، ويدعو إلى تقديمه وتعليم العربية في التعليم ضرورة فساد اللغة، ثم ينتقل منه إلى الحساب فيتمرن فيه حتى يرى القوانين. ثم ينتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر عليه بهذه المقدمة، قال: ثم ينظر في أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم الجدل، ثم الحديث وعلومه. ونهى ابن العربي مع ذلك أن يخلط في التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك بجودة الفهم والنشاط (1) .

(1) مقدمة ابن خلدون (594 - 596) . أبجد العلوم: (1/ 110 - 112) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت