فأول ضعف يركب الطالب عند بداية تعلمه حين يلزم بما لا تميل إليه نفسه، ولا ينسجم مع طبعه، ونتأمل في تاريخ العلم عند المسلمين، كيف نشأت مدارس العلم المختلفة، وكيف وجد في كل علم القائمون به وكبراؤه المختصون به، وأنك تنظر في كل فريق وما عندهم من العلم والانهماك فيه وتعظيمه ما يجعلك تقول ما بقي شيء، فإن ذهبت إلى غيرهم انطبع في نفسك الشيء ذاته وقلت ما بقي شيء وهكذا.... والناظر في طبقات أهل العلوم الشرعية المختلفة متأملا يقتنع بأن كلا ميسر لما خلق له، فالمحدثون خلقوا للحديث، والفقهاء للفقه، وهكذا...
فقد تنعدم أهلية الطالب بسبب عدم الإصابة في اختيار ما يقبله طبعه ويصل إليه فهمه، فتتحقق الجناية عليه وتهدر قدراته وتنطمس مهاراته، ويجمد دوره. قال عمرو بن معدي كرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
والعلوم أرزاق كأرزاق القوت قسمها الله بين العباد بحسب ما أودع فيهم من استعداد لشيء منها، فعلى الإنسان مراعاة طاقته وما يقبله طبعه وتنشرح له نفسه. وقال الفقيه أبو الفتح نصر بن احمد المقدسي: (... إن الله تعالى قد قسم العلوم بين عباده كما قسم الأرزاق والآجال وسائر الأحكام، فوفق قومًا لحفظ أصول الشريعة، وبيان الصحيح من ذلك والفاسد، ووفق قوما لمعرفة معاني ذلك واستنباط الأحكام منها) (1) .
فإسعاف الطبع برغبته، وترويضه على طلبته، وملاينة النفوس وحملها على ما تقبله وتدركه، هو جماع المنهج التعليمي فإن مداره على الأسباب التي ينفذ بواسطتها العلم إلى النفوس، فهي المحل القابل فتعين ملاطفتها فيما تقبل وما ترفض.
(1) الجواهر والدرر (1/75 - 76) .