الصفحة 44 من 63

وعلوم الحديث تحتاج إلى تدرج في أخذها، فيبدأ بالمختصرات ثم المتوسطات ثم المطولات، فإن بدأ بالمطولات فقد شق على نفسه فيجوز كلاله وملاله ثم انقطاعه. وقد سلف في الحفظ التدرج في حفظ الحديث بحسب الطاقة التي تسمح، وأما في فهم علوم الحديث فيأخذ مختصرًا فيه أصول الأبواب وتشرح على سبيل الإجمال فيكون قد قرب إليه هذا العلم، بعده يدخل في الشرح المفصل وإثارة فروع تلك الأصول. ومحاولة الاستقصاء، وإبراز الأمور المستعصية وهكذا إلى الانتهاء.

الرغبة العلمية والاختيار:

إن مناهج العلم تدور مع نفس المتعلم، وتبحث عن مجال قوتها وما تقدر عليه، وتصلح له، فإسعاف الطباع وما خلقت له وجبلت عليه، ومجاملتها فيما تحب وتطرب له، بداية التوفيق في وضعها في الموضع الذي يناسبها. فطالب الحديث إن رأى طبعه مائلا إليه أكب عليه واشتغل به، وإن رأى طبعه نافرًا عنه أعرض واشتغل بغيره (1) . فاختيار طلبة الحديث وعلومه يخضع لميول النفس وانشراح الطبع، دون جموده ونفوره، فمن لم يأنس من نفسه استعدادًا من البداية لعلوم الحديث لا يمكن أن نلزمه به، وهذا دور الإرشاد الأكاديمي (2) فهو الذي يصنف الرغبات والاستعدادات بحسب أصحابها. ومتى حاولنا إدخاله في تخصص لا يميل إليه فالغالب عدم استقامة حاله فيه. فإن دخل فيه ولم يحس بعائدته عليه، تعين عليه تركه والذهاب إلى غيره.

(1) انظر قانون العلم: 394.

(2) جربت ذلك حين عملت في لجنة الإرشاد الأكاديمي بجامعة أم القرى. فإن الأستاذ المدرس يستقرئ أحوال الطلبة المتعلمين، وكيف ينظرون إلى التخصصات المختلفة، وما هي بواعث ميولهم وهكذا....

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت