الصفحة 43 من 63

فمن تلكم المجدية في التدرج بالطالب سلوك طريق التقريب للعلم إلى أن يصل إلى الاستيعاب. فإن الاستيعاب للعلم لا يكون قبل تقريبه، والتقريب هو أخذ أصول الباب وشرحها على وجه الإجمال. (ويكون المتعلم عاجزًا عن الفهم بالجملة إلا في الأقل... ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلا قليلا، بمخالفة مسائل ذلك الفن وتكرارها عليه والانتقال فيها من التقريب إلى الاستيعاب الذي فوقه، حتى تتم الملكة في الاستعداد ثم في التحصيل ويحيط بمسائل الفن. وإذا ألقيت عليه الغايات في البدايات، وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي. وبعيد عن الاستعداد له، كلَّ ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه، فتكاسل عنه وانحرف عن قبوله، وتمادى في هجرانه، وإنما أتي ذلك من سوء التعليم) (1) .

وقد اشتمل هذا النص النفيس على مناهج التحصيل العملية اللائقة بالطالب، وهي أمور:

أ - إلقاء المدرس أصول الأبواب وشرحها على سبيل الإجمال وهو التقريب.

ب- تكرار مسائل الفن على الطالب والانتقال فيها من التقريب إلى الاستيعاب الذي فوقه.

ج- مراعاة قوة الطالب واستعداده الذهني لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن.

د- تجنب إحضار المتعلم المبتدئ المسائل المقفلة من العلم.

هـ- مرحلة حصول الملكة في الاستعداد ثم التحصيل والإحاطة بمسائل الفن.

وقال اليوسي: (وينبغي له في البداية أن لا يهجم على الخلافات العقلية والسمعية، بل ولا على الفنون المختلفة، بل أن يعرف مدى عقله، فربما ضل أو تحير، ولذا قيل:(كثرة الفنون مضلة الفهوم) ، فليشتغل بما يطيق من الفنون حتى يقوى على غيره، وليعلم أن العقل الذي يرام إدراك العلوم به مثاله مثال الحيوان الذي يربيه للاصطياد.... فالواجب التدريج من الصغير إلى الكبير) (2) .

(1) المصدر نفسه.

(2) القانون: 394.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت