منهج التدرج وأخذ الطالب العلم شيئا فشيئًا متعين لا مناص منه، لما جبلت عليه النفوس والعقول من أن ما لا سبيل إلى دخوله جملة فيجب أن يدخل متفرقًا، وقد تقدم أن من أخذ العلم جملة ذهب عنه جملة، ومكاثرته مغالبة للذهن فيمل ويكل. ويتعين التدرج في الحفظ وأخذ العلوم الحديثية كلها. قال القنوجي: (وقد ذكر علماؤنا مراتب العلوم من التعليم فقدموا الأهم فالأهم، وسلكوا التدريج في التعليم، فقدموا الوسلية على المقصد) ... وربما يقدم علم على علم لا لشيء منها إلا لغرض التمرين على إدراك المعقولات، كما أن طائفة من القدماء قدموا تعليم علم الحساب، وكثيرًا ما يقدمون الأهون فالأهون. ولذا قدم المصنفون في كتبهم النحو على الصرف، ولعلهم راعوا في ذلك أن الحاجة إلى النحو أمس) (1) .
ومن مناهج الأقدمين في ذلك وقد أصبحت مهجورة اليوم إلا في النادر من الجهات، أن يلقي الأستاذ المدرس على الطلبة أولا مسائل من كل باب من الفن هو أصول ذلك الباب، ويقرب لهم شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة عقولهم واستعدادهم لقبول ما يرد عليهم حتى ينتهوا إلى آخر الفن، قال في أبجد العلوم: (هذا وجه التعليم المفيد، وهو كما رأيت إنما يسهل في ثلاث تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه، وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته ويحضرون المتعلم أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم...) (2) .
(1) أبجد العلوم (1/108) .
(2) المصدر نفسه (1/118) .