إن العلاقة بين الأستاذ والطالب لها من الدروس التربوية التعليمية ما يرفع مستوى المادة ويقوي تكوين الطالب، وإشعار الطالب بذاته وقدرته على بلوغ المرتبة المرغوبة، واستخراج قدراته ومهاراته المخزونة، وتنمية الشغف بالعلم وحبه في نفسه، ومجابنة الكسل والفتور، وبث التنافس في العلم والمسابقة إليه، والرغبة في الاقتداء بالأستاذ في لحوق ركاب العلم، والتشبه به في علومه وسمته، وغير ذلك.
وقد لاحظت في تدريس مادة مصطلح الحديث أن العلاقة مع الطلبة وإشراكهم في الدروس ومحاورتهم ومساءلتهم وإخراجهم عن صمتهم والتعود على السماع فقط، مما يساعد على أداء متميز للدرس، تظهر عادته عليهم وتتبدد به صعوباته، وقد تقدمت قصة أبي محلم مع شيخه ابن عيينة ومساءلته له وتقويمه، وقال السخاوي: (حتى رأيته -أي ابن حجر- مرة يقول-وقد تكلم شاب بشيء وهو خارج الحلقة« اسمعوا ما يقول الشاب فإنه يقول جيدًا. وطال ما يقول: مقالة هذا هي الصواب، مع كونه كان قرر خلافها رجوعا منه إلى الحق، وإنصافا وعدم محاباة) (1) .
وذكر بعضهم أن العلم ثلاث درجات، من ترقى الأولى ظن أنه أنهى، ومن ترقى الثانية علم أنه أنهى، وأما الثالثة فلا سبيل إليها، قال: (وإن كان عنده باطلا فلا ينبغي أن يرده عليه بصورة التعنيف والتزييف والتجهيل، وإن كان متعلمًا لا متعنتا، لأن ذلك يخمد قرائح المتعاطين، ويكسبهم خورًا أبعد عن التلجلج في المدارك. وهي طريقة الجمود والحرمان، بل بلطافة، فيقول مثلا: ) كلامك حسن لو سلم من كذا (، وهكذا يفعل في المتعاطين، فيجرؤهم على الفهم والبحث، ويرخي لهم العنان، ويصرف أعنتهم بلطف عن الخطأ والخطل، ثم إن سنح له بحث في الكلام، أو أورد عليه بحث فليشتغل به إن كان عقول الحاضرين تبلغه، وإلا أعرض عنه حتى يكون مع أهله، ويكون كل ذلك بعبارة توافق عقول أهل المجلس، لأن حقهم أوجب) (2) .
(1) الجواهر والدرر (2/1042-1043) .
(2) القانون في العلم: 336.