الصفحة 39 من 63

وما يجلى هذا المنهج الحثيث من تاريخ المحدثين لا حصر له، فمن ذلك ما ذكره أبو عبيد الله المرزباني عن أحمد بن محمد العروضي أن أبا محلم كان يقول: (لزمت ابن عيينة فلم أفارق مجلسه، فقال لي أراك حسن الملازمة، ولا أراك تحظى من ذلك بشيء، لأنك لا تكتب، فقلت: أنا أحفظ، قال: فكل ما حدثتك به حفظته؟ قلت: نعم، فأخذ دفتر إنسان بين يديه فقال لي: أعد علي ما حدثت به اليوم، فما أخرمت منه حرفا، فأخذ مجلسا من الماضي فأمررته عليه) (1) . فأعطى منهج المشافهة والملازمة درسًا في التقويم، ومراقبة أحوال المتعلمين، والاطمئنان على تحصيلهم، ومتابعة استعدادهم وقدرتهم على الاستمرار. ومدى استعمالهم للمناهج المجدية. فنلاحظ الملازمة والمشافهة، والجمع بين الحفظ والكتابة، وتقويم الأستاذ لتلميذه في هذا النص القديم.

ويذكرون في المتقدمين في العلم والبالغين حدودًا مرتفعة منه أنهم لا يتخرجون إلا بشيوخ وقتهم، وهو شيء مستفيض في تاريخ المحدثين، قال السخاوي عن ابن حجر: (واجتمع بحافظ العصر زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي فلازمه عشرة أعوام وتخرج به، وانتفع بملازمته، وقرأ عليه الألفية له وشرحها له بحثا) (2) . والأصل في ذلك ملازمة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعلمهم بين يديه حتى تخرجوا علماء الدنيا.

ووجود هذا المنهج في المحدثين غير محصي ولا محصور.

ولما استغنى الناس عن طرائق الأقدمين في التعلم ضعف التحصيل وهزل، وبعدت الشقة بين الطلبة والمدرسين، وحرموا بسبب ذلك من التكوين الرصين، وفاتهم الكثير، وأصبحت العلاقة إدارية اعتيادية، وأخذ الناس يشتكون من ضعف المستوى العلمي للطلبة وقلة النبوغ فيهم، وحظ الدرس الحديثي من ذلك بحسب ما تقدم من أن خصائصه تجعل منهجية تدريسه خاصة، وليس أقعد بهذا الأمر من مناهج أهله، فهم أدرى من غيرهم بما يصلح شأن طالبيه.

(1) الجواهر والدرر (1/84) .

(2) المصدر نفسه (1/126) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت