وإذا حفظ ذاكر به الطلبة فإن لم يجد ذاكر مع نفسه وكرر على قلبه، فالمذاكرة تعيين على ثبوت المحفوظ، وهي من أقوى أسباب الانتفاع به. قال علي رضي الله عنه: (تذاكروا هذا الحديث إن لا تفعلوا يدرس) . ونحوه عن ابن مسعود وأبي سعيد -رضي الله عنهما-. وقال الخليل بن أحمد: (ذاكر بعلمك تذكر ما عندك، وتستفيد ما ليس عندك) (1) .
وينبغي المذاكرة عقب افتراق المجلس، قبل وقوع النسيان وخمود القرائح، واختلاط العقائد والعقول، وافتراق الأصحاب، غير أنه يحصل من المجلس إذا طال فتور وملل، فيتعين تأخيرها ريثما تجم القرائح من غير طول... ومن سعادة الطالب وتباشير نجحه أن يرزقه الله من يذاكره أو من يتعلم منه فهمًا حريصًا (2) .
وقال في أبجد العلوم: (وكذلك ينبغي لك أن لا تطول على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس، وتقطع ما بينها، لأنها ذريعة إلى النسيان، وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض، فيعسر حصول الملكة بتفريقها، قال: لأن الملكة تحصل بتتابع الفعل وتكراره، وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة النائشة عنه) (3) .
وهذا مجرب مع الطلبة فإن توالي دروس الحديث وعدم فصلها يتتابع معه التحصيل ويبدد النفور والاستيحاش، وهذا طريق إلى ما هو أعلى وأكمل حتى يصبح ملكة، وانطلاقا من هذا المنهج التعليمي الأصيل لمادة الحديث يقترح تدريس الحديث في حصص متوالية يومية من غير انقطاع، ولو أنها انفردت ولم تزاحمها مواد أخرى لكان أكمل، ونظام الساعات يساعد على ذلك، فقد يدرس الطالب فصلًا في مادة واحدة، ومادة أخرى في الفصل الآخر وهكذا....، ويعضد ذلك أيضا بدورات علمية دورية فقد بان نفعها وتقويتها للطالب، فيقال مثلا: (دورة علمية في الحديث الصحيح) ، (دورة علمية في الحديث المعل) ، وهكذا....
مشافهة المدرس (الشيخ) وملازمته:
(1) فتح المغيث: (3/316 -317) .
(2) قانون العلم: 401، باختصار وتصرف.