الصفحة 36 من 63

والطريق في إحكام الحفظ كثرة الإعادة، والناس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار، ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير، فينبغي للإنسان أن يعيد بعد الحفظ ليثبت معه المحفوظ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعاهدوا القرآن فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقلها) (1) . وكان أبو إسحاق الشيرازي يعيد الدرس مائة مرة، وكان الكيا (2) يعيد سبعين مرة. وقال الحس بن أبي بكر النيسابوري الفقيه: (لا يحصل الحفظ إلي حتى يعاد خمسين مرة) (3) .

ويَعْلَمُ الطالب للحديث عند حفظ الحديث وتعلم علومه أمورا معينة له على الحفظ وآدابًا وأسبابا لذلك، قال ابن الجوزي: (ينبغي لمن يريد الحفظ أن يتشاغل به في وقت جمع الهم، ومتى رأى نفسه مشغول القلب ترك الحفظ، ويحفظ قدر ما يمكن، فإن القليل يثبت، والكثير لا يحصل، وقد مدح الحفظ في السحر لموضع جمع الهم، وفي البكر، وعند نصف الليل... وينبغي أن يريح نفسه من الحفظ يوما أو يومين ليكون ذلك كالبناء الذي يراح ليستقر) (4) .

ومما يفيد في التمكين للمحفوظ أن يؤخذ قليلا قليلا بحسب طاقته ليحكم حفظه وإتقانه، فعن الزهري: (من طلب العلم جملة فاته جملة، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان) ، وعنه أيضا: (إن هذا العلم إن أخذته بالمكاثرة له غلبك، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذًا رفيقًا تظفر به) (5) .

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري في الفضائل، (فتح الباري 9/79) ومسلم في كتاب الصلاة (شرح النووي 6/76-78) .

(2) الكيا الهراسي الطبري الشافعي الفقيه الأصولي المعروف.

(3) الحث على الحفظ: 21.

(4) المصدر نفسه: 22.

(5) فتح المغيث (3/315 - 316) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت