وفقدان المنهج أو نقصانه وضعفه، يعرض عملية التعليم للعدم أو هزالة الجدوى، وتاريخ العلم لدى المسلمين حافل بالمناهج المختلفة في تدريس العلوم الشرعية واللغوية، ومن المكتوب في ذلك شيء لا يكاد يعد، ومن المطبق المجرب كذلك، وكلما كان العلم المراد دراسته متميز المواد والطبيعة، افتقر إلى منهج أليق به، وذلك كالمواد النقدية المصطلحية، ذات الشعب والأحراج التي من لم يعرفها وقع في الشطط، ولم يلو على شيء، فبقدر صعوبة المادة بقدر ما يجب أن يكون المنهج ناجعًا ملبيا لتلك الطبيعة التي تتحلى بها المادة المدروسة
فالمنهج المحكم سبب قوي لنجاح الأستاذ في تدريسه، والطالب في تعلمه واستقباله.
وللعلماء المتقدمين مناهج مسلوكة في إلقاء العلم على الطلبة، وطرق مستحسنة انتهجوها في تمكين الطالب من التحصيل، من تحري ما تستجيب له قابلية المبتدئ، وكيف تكون البداءة والتدرج، وما هي الأسباب المعينة على حفظ العلم وفهمه، وللمحدثين خصائص منهجية تبعا لخصائص علومهم، فإن علومهم الإسناد والرجال والنقد والمصطلحات، والمناهج المستخدمة متنوعة، كمنهج الملاحظة، والمنهج الاستقرائي، ومنهج التحليل والتفسير، ومنهج المقارنة، والمنهج التاريخي، والمنهج العقلي....
وحين تعددت خصائص علوم الحديث، وتكاثفت مناهجه النقدية، وتحلت بالجدة والابتكار غير المعهودة في العلوم الأخرى، ولم يسبق المسلمون في تأسيس علوم الإسناد، تطلب كل ذلك مناهج للتدريس تليق بتلك الخصائص، وطرقا لاستيعابها تتوافق مع طبيعتها النقدية.
والذين صنعوا هذا العلم طبقوه ولقنوا للناس طريقة تحصيله، ولم يقصروه على النظري فقط، فإن لهم كتبا في آداب الطلب وطرق التحصيل توفق بين النظر والتطبيق، وتاريخهم وتراجمهم حافلة بذلك، واستنطاق شواهد التاريخ الصحيحة يفصح عن ذلك.
وعند استحضار بعض المناهج الأصيلة المفيدة في تحصيل علوم الحديث، تتراءى لنا صور ساطعة تعكس تراثا هائلًا.
مراتب العلم: