والخلاصة أن اختصاص الأستاذ بفنه، وقيامه بعلمه، وأخذه عن أهله إلى أن يصل إلى درجة معرفته والتحقق به، وسلوكه في ذلك طرائق أهله ومناهج علمائه، وخاصة علوم الحديث فإنه الخاص بعد العام، من أهم الأسباب في تحصيل الطالب وتقدمه في هذا العلم، وبقدر ما يحصل الإخلال بشيء منه تقع العوائق بحسبه، وينفلت الزمام أو يكاد، فإن تراجع الدرس الحديثي اليوم أكثر ما أقدر نقصانه وهزالته عائد إلى المدرسين له، حيث اقتحمه بعض من ليس من أهله، فحوله إلى شيء آخر.
ولذلك لا يمكن معرفة الخلل إلا بعرض تاريخ العلم وأساليب تحصيله عند أهله، لربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، فالمسبب هو حصول العلم والسبب هو وسيلة التماسه، فمتى تعطل المسبب أو هزل كان مرجعه إلى سببه إهمالا له أو عدم أدائه بالصفة المطلوبة.
الركن الثالث: المنهج:
أصل المنهج والمنهاج في اللغة الطريقة الواضحة البينة والمستمرة، والمراد به في الاصطلاح: طريقة واضحة مستمرة في تدريس العلم، واعتماد الأسباب المناسبة لاستيعاب المتعلم، كاعتماد ترتيبات معينة، والبداءة بالأنسب فالأنسب، مع مراعاة خصائص العلم المدروس وأحوال وقابلية المتعلمين.
هذا الركن الثالث الأخير، ونظام الأستاذ والطالب، إذ به ينتظمان، وعلى أساسه يلتقيان، فهو الوصلة بين الركنين يوصل الأستاذ به إلى الطالب العلوم ويدفعه إلى التفكير ويولجه في مسالك المدارك، ويقرب منه أسباب التبصر... ولا غنى للعلوم عنه، فتركه خلط وخبط وتشتيت، وتعويق للتحصيل، وبقدر ما يكون محكمًا مجربًا كان سببا قويا لنجاح عملية التعليم، فالنفوس في استقبال العلوم بحاجة إلى رياضة، وحسن ترتيب لموادها، واستقامة عرض لفقراتها، وسلامة جمع للمتجانسات، ومراعاة البداءة بالأسهل فما فوقه، والتدرج في تعويدها على غير مألوف لها.