وبلغ منهج تقويم مراتب العلماء في علومهم التي ينتمون إليها مبلغًا دقيقًا، فعرفوا بمرتبة كل واحد وما يتأهل له وما لا، وحدود الدرجة العلمية، فهذه مناقشة وتقويم في الأهلية لما انبرى له، وهذه وحدها تستحق بحثًا فالنماذج ليست بالقليلة في تاريخ العلم عند المسلمين، ومن ذلك أن ابن شاهين (ت 385هـ) راويةُ الإسلام، لكنه لم يرق إلى دقائق الصناعة الحديثية، قال الذهبي: (ما كان بالبارع في غوامض الصنعة، ولكنه راوية الإسلام) (1) . ولما حكم أبو سعد الماليني (ت 412هـ) على كتاب المستدرك للحاكم (ت 405هـ) ، فقال: (طالعت المستدرك على الشيخين -الذي صنفه الحاكم- من أوله إلى آخره، فلم أر فيه حديثا على شرطهما) ، قال الذهبي: (وهذا غلو وإسرف، بل فيه جملة وافرة على شرطهما، وجملة كبيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو النصف، وفيه نحو الربع صح سنده وإن كان فيه علة، قال: وما بقي وهو الرابع فيه المنكر والضعيف والموضوع، وليست رتبة أبي سعيد أن يحكم بهذا) (2) . وقال السخاوي في العلامة تقي الدين الدجوي: (ما لقيت أحدًا ممن أخذ عنه إلا وذكر عنه أمرًا عجيبًا في الحفظ، ومع ذلك فقد قال فيه صاحب الترجمة(أي ابن حجر) : (كان يستحضر الكثير من هذا الفن، إلا أنه ليس له فيه عمل القوم ولا كانت له عناية بالتخريج، ولا معرفة العالي والنازل من الأسانيد، وقدم الحافظ جمال الدين ابن الشرائحي عليه لتحققه بذلك) (3) .
ولربما ألفتوا إلى الأنصاف، فقد قال بعضهم: (أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان) (4) .
(1) سير النبلاء (16/434) .
(2) سير النبلاء (17/ 175 - 176) ، نكت ابن حجر (1/312 - 314) ، نكت الزركشي (1/224) .
(3) الجواهر والدرر (1/89) .
(4) مجموع فتاوى ابن تيمة (5/118 - 119) .