ويصور لنا الناقد أبو الفرج ابن الجوزي (ت 597هـ) رحمه الله الفترة التاريخية المتقدمة عن المتأخرة، وكيف حصل الكسل عن تحصيل علوم الحديث فيقول: (كان الفقهاء في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث فمازال الأمر يتناقص حتى قال المتأخرون يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن، وأن نعتمد على الكتب المشهورة في الحديث كسنن أبي داود ونحوها، ثم استهانوا بهذا الأمر أيضا، فصار أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها، وبحديث أصحيح هو أم لا! وربما اعتمد على قياس يعارض حديث صحيح ولا يعلم، لقلة التفاته إلى معرفة النقل، وإنما الفقه استخراج من الكتاب والسنة، فكيف يستخرج من شيء لا يعرفه؟! قال: ولكن غلب على المتأخرين الكسل بالمرة عن أن يطالعوا علم الحديث، حتى إني رأيت بعض الأكابر من الفقهاء ويقول في تصنيفه عن ألفاظ في الصحاح لا يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا، ويجعل الجواب عن حديث صحيح قد احتج به خصمه أن يقول:(هذا الحديث لا يعرف) وهذا كله جناية على الإسلام) (1) .
ولا يعني طلب أهلية المدرس الأستاذ بالتخصص نفي المشاركة في العلوم، فإن العلوم الشرعية مرتبطة ببعضها وجسورها ممتدة، فالرحم واحدة وإنما جعلت علومها نسبًا وصهرًا، ولارتباط العلوم ببعضها قالوا: (من لم يشارك فيها لم يكمل في واحد منها) (2) .
وإنما الخلل في تناقص الدرس الحديثي عائد إلى تصدر المتعاطين أحيانًا، فحسب بعضهم أن القضية قضية مناهج فحسب أو لغة، فدخل في هذا الفن من لم يعرفه عن أهله ولا لهم فيه مشيخة، وهذا إن كان حظ علوم الحديث منه أكثر نظرًا لخصائصه التي منها ضرورة المشيخة العلمية، فإن سائر العلوم الشرعية منيت بهذه البلية.
(1) تلبيس إبليس: 118 - 119.
(2) قانون اليوسي: 428.