هذا مع ضرورة التنبه إلى أن تجلية خصائص علم من العلوم لا يعني الاستهانة بغيره ولا قصد تقبيحه في نفس المتعلم، وإنما يبين خصائص علم الحديث ودقائق الصناعة النقدية فيه ولا يتعرض للعلوم الأخرى، كما أنه (لا ينبغي وصف علم الحديث بأنه نقل محض وسماع بحت وهو شأن العجائز ولا نظر للعقل فيه) (1) ، فإن ذلك شأن من يفسد أذهان المتعلمين، ويركب الضغينة إزاء العلوم المختلفة، ويحملهم على احتقارها والاستخفاف بأهلها.
وكما تقدمت الإشارة ما من أساس مطلوب في تدريس علم الحديث إذا اختل منه شيء أو لم يقدم بالهيئة المطلوبة إلا كان سببا في تراجع الدرس وتناقصه وقلة جدواه أو انعدامها. ومن ذلك ضرورة مشيخة مدرس الحديث وكونه تلقى العلم عن أهله، وتدرج في أدراجه، وحصلت له ملازمة ومراس فيه. وقد كانوا في العلوم الشرعية والعربية ينهون عن أخذ العلم عن الصحفيين، وإنما حقه الأخذ عن الشيوخ مشافهة، قالوا:
من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة ... يكن عن الزيغ والتصحيف في حرم
ومن يكن آخذًا للعلم من صحف ... فعلمه عند أهل العلم كالعدم
وقد تواردت عباراتهم الشهيرة في النهي عن هذا المنهج والحث على المنهج القويم في المشافهة، لتحمل العلم محررًا مضبوطًا، ومعرفة قواعده مطبقة من قبل علمائه، وهذا في كل العلوم، والأكثر في أسماء الرواة، ومع وفرة المصطلحات النقدية، وطبيعة المادة النقدية...
قال في الألفية:
والأخذ من أفواههم لا الكتب ... أدفع للتصحيف فاسمع وادأب (2)
وقد قالوا: (لا تحملوا العلم عن صَحَفي، ولا تأخذوا القرآن عن مُصْحَفيّ) (3) .
(1) أبجد العلوم (1/131) .
(2) الألفية مع شرح السخاوي (3/158) .
(3) تصحيفات المحدثين للعسكري (1/7) .