وهذا وارد في رواية الحديث وسماعه وهو صالح لكل ما تعلق بالعلوم وخاصة الحديث، على أن الاقتضاء العقلي والواقعي والنظر إلى مصلحة العلم والتعلم تحتم ذلك وتجعله شرطا، وإلا لم تؤت العملية التعليمية أكلها أو لا تتم بالهيئة المثالية المطلوبة. (وقد اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غيره فهو متعني) (1) . ومما يدل على أن المختص بعلم أقعد به من غيره ممن تفنن في فنون ما يقولونه في المناظرة. قال أبو عبيد الهروي: (ما ناظرني رجل قط وكان مفننا في العلوم إلا غلبته، ولا ناظرني ذو فن واحد إلا غلبني في فنه ذلك) (2) .
وفي كلمة للناقد الذهبي (ت 748 هـ) يشير فيها بالمفهوم إلى لزوم كل صاحب فن فنه يقول: (.... فكم من إمام في فن مقصر عن غيره، كسيبويه مثلا إمام في النحو وما يدري ما الحديث. ووكيع إمام في الحديث ولا يعرف العربية، وكأبي نواس رأس في الشعر عري عن غيره، وعبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث لا يدري الطب، ومحمد بن الحسن رأس في الفقه ولا يدري ما القراءات، وكحفص إمام في القراءات تالف في الحديث) (3) .
ونحن اليوم إزاء الدرس الحديثي بحاجة إلى استشعار هذه المعاني ومحاولة ترسيخ احترام التخصص، فإن هذا الدرس أتي من هذه الناحية أكثر من غيرها، وهو سبب أساس في تراجع الدرس الحديثي بنضرته ولمعانه وعمقه وشموله، فكم من مريد للإحسان يقع في الإساءة وهو لا يدري. فمع قلة المتخصصين في هذا العلم يقع دخول غيرهم إليه فيحصل الخلط والتشتيت، وتوجيه معاني المصطلحات على غير وجهتها، والتحكم في مدلولاتها.
(1) فتح المغيث (1/232) .
(2) الإلماع: 221.
(3) تذكرة الحفاظ: (3/1031) .