فالرفقة في الطلب لهذا العلم خير معين للمبتدئ، وبدونها استيحاش ونفور، وتقاعس وفرار، ولاحظ معي كم عدد السخاوي من فوائد الرفقة في طلب الحديث، وكم يتحقق بها من العوائد والمنافع، وطلابنا اليوم من اهتدى منهم إلى الرفقة وصارت لهم ببعضهم مداخلة وخصوصية، وترددوا على بعضهم وترافقوا في تعلمهم، بدت عليهم عوائد الرفقة، فتراهم يتذاكرون. وإذا تدخل طالب لمناقشة الأستاذ في شيء أو استفساره أو تذكيره بشيء، يكون واحدًا من هؤلاء، ثم ينطلقون في إرسال بعض ما حصلوه من خلال مداخلتهم، وينظر إليهم زملاؤهم بعين الإعجاب ويودون أن لو أحرزوا معلومات مثلهم.
وإغفال اتخاذ رفقة في الطلب يتراجع به تحصيل الطالب، هذا مع أن العلماء ينصحون بإزاء هذه بالتقليل من خلطة الناس وإيثار العزلة، فبها يسلم من كثير من الآفات ويتفرغ لما هو بصدده من عمارة الأوقات (1) .
فهذه وصية تنهي عن مطلق الخلطة، أما خلطة ورفقة متعاونة على طلب العلم، مستقيمة على الآداب ومحاسن الشيم كما سلف فإن هذا مطلوب.
الركن الثاني:
ثانيا: الأستاذ المدرس:
هذا الركن الثاني من أركان التعليم، وهو المحل المغذي الذي يبذل العلم للمتعلمين، والسبب الأكبر للغاية النبيلة، ملجأ المستبصرين، ومنار التائهين، ومعلم الناس الخير. قال تعالى: { ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} (2) .
وشرطه أن يكون مؤهلا للتدريس فيما تولى من العلم، مختصا به له فيه دربة وممارسة، (فلا ينتصب للعلم أيا كان حتى يكون أهلا له محققا للفن الذي يريد الخوض فيه، مع ذكاء النفس وحصافة الرأي....) (3) .
ومن تمام الأهلية أن يحسن صفة التدريس، وكيفية الإملاء والتقرير، والتحرير والتفكير، فإن رب محصل لفن ولا يحسن هذه الصنعة فيقع في تخليط وتشتيت (4) .
(1) القانون لليوسي: 379.
(2) آل عمران 79.
(3) القانون لليوسي: 335.
(4) المصدر نفسه.