الصفحة 24 من 63

البيئة هي الوعاء الذي يضم العناصر التي تعيش مجتمعة في مكان واحد. والإنسان يسرع إليه التأثر ببيئته، ويغلب أن ينطلي عليه ما يسود فيها، ومكانة العلم فيها وتعظيمه وعناية أهلها به يجعله منتشرًا، وإقبال الناس عليه متزايدًا. فالأوضاع العلمية لها الأثر البليغ في الترغيب في العلم، ولا يليق بالعاقل الذي يعيش في بيئة متعلمة أن لا يتعلم، فإن المحفز على تعلمه قوي، وخشية الوقوع في مغبة الجهل والبطالة بتركه، وتفويت لذة التعلم التي تزين بها أهل زمانه وسموا بها وعلوا، وتبوؤا مبوأ عز واحترام.

والمطالع للتاريخ العلمي عند المسلمين، الواقف على مختلف فتراته وحقبه، يلحظ أن شدة الإقبال على العلم، ووفرة طلابه، يكون تبعًا لتلك الأوساط العلمية النشيطة، مهما تفاوتت أو تفاضلت، فالمجتمع العلمي له أثر في تحصيل الطالب وحبه للعلم وهمته في حيازته، فإذا كان الدرس الحديثي منتشرا والناس يتسابقون في حضوره، ويلهجون بعلومه، ويتناظرون فيه، وينتقدون الاستدلال بضعيفه ومطرحه، ويوقفون المستدلين بالضعيف ويقاطعوهم عن الاحتجاج به، فيتولد عند الناس ظاهرة الحدس النقدي، والتثبت في الرواية، وينتدب المختصون بالحديث لتدريسه للخاصة والعامة حتى يتفشى. ولنتأمل هذا النص التاريخي في تثبيت أهمية البيئة في تحصيل العلم وعلم الحديث خاصة، (أشرفت أم ولد هارون الرشيد بالرقة ذات يوم من القصر فرأت الغبرة قد ارتفعت، والنعال قد انقطعت، وانجفل الناس، فقالت: ما هذا؟ قالوا عالم من خراسان يقال له عبد الله بن المبارك. قالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بالسوط والخشب) (1) .

(1) أسندها الخطيب في تاريخه (10/156) . وذكرها ابن خلكان (3/33) ، والذهبي في أعلام النبلاء (8/340) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت