الصفحة 21 من 63

عند استعراض تاريخ التحديث نجد تبكير الطلبة في طلب هذا العلم، وإحضارهم من قبل أهاليهم في سن مبكرة، حيث فراغ الذهن عن الشواغل، وصفاء العقل، وقوة الحافظة، وبديهة الفطرة، فيرسخ حفظ الحديث وتعلم علومه في قلبه ويعلق بنفسه، وينشأ فيه حتى يختلط بلحمه ودمه، ويمتزج بخاطره. وهذا منهج ساد العلوم الشرعية كلها إلا أنه في الحديث آكد وظهوره في مناهج المحدثين أشهر، واعتمادهم على العقول الصغيرة الموعبة مستفيض أكثر. قال ابن الجوزي: (ومتى اعتدل المزاج وتكامل العقل، أوجب ذلك يقظة الصبي، فمن رزق ولدًا فليجتهد معه، والتوفيق من وراء ذلك، فينبغي له أن يعوده النظافة والطهارة من الصغر، ويثقفه بالآداب، فإذا بلغ خمس سنين أخذه بحفظ العلم، وسنبين فيما بعد ترتيب المحفوظات، فإن الحفظ في الصغر نقش في حجر، ومتى بلغ الصبي ولم يكن له همة تحثه على اكتساب العلم بعد فلا فلاح له) (1) .

وأكثر طلابنا في الجامعات لم يتجهوا في تحصيل محفوظات الصغر، وتأسيس علومهم مبكرًا، فكأن الطبع يجفو عن الحفظ، وتنجفل النفس عن رياضة التحصيل بجدية، ويبقى معها استعداد محدود لا يتسع لاستيعاب العلوم الاصطلاحية كما ينبغي.

كما أن من فوائد أخذ العلم في الصغر استعداد النفس للملق في طلبه، قبل دبيب الاعتداد إليها والزهو وما تستنكف به عن التواضع في الطلب، وكان الشافعي رحمه الله يقول: (لا يطلب هذا العلم أحد بالتملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش، وخدمة العلماء والتواضع أفلح) (2) .

(1) الحث على الحفظ: 17.

(2) أسنده ابن عبد البر في الجامع (1/98) ، والخطيب في الفقيه والمتفقه (2/93) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت