وأيضا واقع الأسانيد وتسلسلها بالرجال النقلة كما تقدم صعوبة أخرى من الصعوبات، فليس متوقفا على قراءات عابرة ولا ملخصات جامعة، بل ما من قضية من قضاياه إلا وتحقيقها وتحريرها يعوزه التعمق والنظر المتأمل والدراسة النافذة، وقد تقدم في الكلام على الإسناد ما تميز به علم الرجال من صعوبة في إدراك المراد من اصطلاحات النقاد وأحكامهم على الرواة، وافتقار الأمر إلى الاستقراء لحصاد النتائج الدقيقة الصحيحة، وهذه الألوف من الأسانيد المروية والهول من الرواة، وقد كان الزهري يقول: (الحديث ذكر يحبه ذكور الرجال ويبغضه مخنثوهم) (1) . وذلك لصلافته ووعورة مسالكه النقدية، وهو كما قال الذهبي: (... فعلم الحديث صلف، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب...) (2) . وقد تقدم الكلام على قلتهم بين المنتسبين إلى سائر العلوم، وهو أيضا يجعل إسعاف المستشكلين له قليلا، ولا تقل هذا في القديم، فإن الأزمان كلها شهدت قلتهم فقد قالها عبد الرحمن بن هرمز أبو ذكوان ومالك، وهكذا إلى عصر الخطيب في القرن الخامس، إلى عصر الذهبي في القرن الثامن، وهكذا، واليوم أيضا يعاني الناس من قلة المشتغلين به، وقد عدوا على رؤوس الأصابع.
وقد تقدم في قلة أهل الحديث قول الخطيب: (وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث عارف به مجتهد فيه، وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزته، وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته...الخ) (3) .
خامسا: تباطؤ الطالب عن مبادرة شبابه في طلب الحديث:
(1) أخرجه ابن حبان في مقدمة المجروحين (1/26)
(2) تذكرة الحفاظ (1/4)
(3) الجامع: (1 / 112 - 113) .