واعتدال المزاج وتكامل العقل من الأمور المخلوقة في الإنسان، ولها الأثر المباشر في جده وطلبه للعلا، والاهتداء إلى المطالب المقربة من الربوبية المحرضة على التعلم. قال ابن الجوزي: (ومتى اعتدل المزاج، وتكامل العقل، أوجب ذلك يقظة الصبي من حال صغره، فتراه يطلب معالي الأمور، فإن طلب رفعة الدنيا دل على قصور فهمه، لأن من استحضر عقله دله على خالق وجبت عليه طاعته وامتثال أوامره، فطلب التقرب إليه، وعلم أنه لا يقرب إلا بالعلم والعمل، فجد في تحصيل ذلك من غير آمر ولا محرض، فتراه يطلب الغاية في العلم... فهذه صفة الغاية، وذلك لا يحتاج إلى محرض لأن همته تمشي به وهو قاعد، ثم يتفاوت الصبيان بعد ذلك، فمنهم من يحتاج إلى محرض وهم الأكثر، ومنهم من تنبهه بأيسر تنبيه، ومنهم من يتعب معه الرائض وجبلته لا تقبل الرياضة) (1) .
وقال أيضا: ( ومتى بلغ الصبي ولم يكن له همة تحثه على اكتساب العلم بعد فلا فلاح له) (2) .
وفتور الهمة في طلب علوم الحديث أكثر من غيره من العلوم. ولعل من أسباب ذلك صعوبة هذا العلم واختصاصه بعلوم الإسناد الذي لا تشابهه سائر العلوم الشرعية الأخرى، وقلة المتعاطين له في كل الأزمان، وأنه يتطلب تفرغا له، وعدم مزاحمته بغيره. مع ما غلب على أبناء الزمان من ميول إلى الدعة والكسل، واختيار ما يسهل عليهم.
وكفيل برفع الهمة وشحذها تذكير الطالب بالأسباب الحاملة له على تعلم هذا العلم، وإعادة ربط العلم بالديانة، وإبراز مكانة المتعلم في الدنيا والآخرة، وحاجة الناس إلى تعلم ما ينافحون به عن الحديث ويذبون عنه الزيف والافتراء، فإن ذلك من شأنه تحسيسه بدوره، واستشعاره واجبه تجاه الشريعة.
رابعا: صعوبات علوم الحديث:
تنقسم علوم الحديث بحسب موضوعاتها وأهدافها إلى أقسام:
القسم الأول: أقسام الحديث وأنواعه.
القسم الثاني: جرح الرواة وتعديلهم.
(1) الحث على الحفظ: 16 - 17.
(2) الأذكياء: 17.