ويستحضر الآيات الواردة في مدح العلم والعلماء والترغيب في العلم كقوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ( التوبة: 122.) وقوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ( فاطر: 28) {يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجت} ( المجادلة: 11) وقوله: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة) (1) .
ثانيا: الأهلية:
معاينة الطلبة الراغبين في علم من العلوم ضرورية، وفي البداية ينظر في استعداده ومدى استجابة فكره للعلم، وقبول طبعه له، وقد تكون رغبته فيه منعدمة أو ضعيفة، فلا يحمل عليه إلا بعد تنمية تقبل العلم في نفسه، وتهيئه لقبول التعلم، وترغيبه فيه وتحبيبه إليه، وعدم أهلية الطالب يكون بأمرين:
-الأول: في الإنسان من جهة الأخذ والتحصيل، وهو أن يكون بعيدًا جافي الطبع، نائي الفكر عن المدارك، بعيدًا عن الفهم والحفظ فتعليمه عنت وتكلف، كمن يبذر في السباخ أو على الصم الصلاب، فحق العالم أن يتجنب مثل هذا ما أمكنه، وهو محنة لمن ابتلي به كما قيل (ومن العناء رياضة الهرم) ، وليصرفه عنه صرفًا جميلًا... وقد يكون ذلك في العلم على الإطلاق، وقد يكون في فن مخصوص، فيصرفه إلى غيره مما يقبله طبعه، ويدركه فهمه...
قال عمرو بن معدي كرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... ... وجاوزه إلى ما تستطيعه
-الثاني: من جهة سائر الخلق، بأن يكون خسيس الهمة، يعلم منه أنه لا يزداد بالعلم إلا تساقطا (2) . والمقصود أن طالب الحديث يجب أن يتوفر فيه الأهلية له، فيكون مائلا إليه بطبعه، محبًا له راغبا فيه، محفزًا إليه، فشأن هذا المقبل على علم الحديث أن يبذل فكره وما خلق فيه من إدراك للاستمساك بناصيته.
(1) أخرجه مسلم، كتاب الدعوات، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (شرح النووي 17/21) .
(2) القانون في أحكام العلم: 351 -352.