لما أذكر أسبابا لتراجع الدرس الحديثي، فإن ذلك يعني إثبات حقيقة ملموسة، وواقعًا ملحوظًا، ذلك لأن الدرس الحديثي في الجامعات وغيرها من مراكز التعليم تناقص، فأنت قلما تجد دراسات معمقة وتدريسًا يعنى بدقائق علم الحديث ومباحثه الغامضة، وغاية ما ألفه الناس اليوم، وهو الغالب، تدريسه على شكل تعريفات وأمثلتها، ويقف العرض عند هذا الحد مما يجعل الدراسة سطحية لا تنفذ إلى أغوار الفن وأحراجه المتشعبة، لتوقف الدارس على مكامن الدقة ومظاهر المهارة في ابتكار قواعده، وكيف رزق هؤلاء النقاد عقولا نفاذة الهمت إحكام هذه القواعد على غير مثال سابق.
ويمكن إرجاع أسباب تراجع الدرس الحديثي على وجه الإجمال إلى العزوف عن وجه الصواب في تعليم العلوم، وتعلمها والتنكب عن مناهج الأقدمين في تعليم الحديث وعلومه، وإحداث فجوة وقطيعة عن تاريخ العلم، إما إهمالا وإما استعاضة عنها بمناهج محدثة.
وأحاول حصر بعض الأسباب، فإن معرفة أسباب نقص عطاء درس علوم الحديث يورث العلم بما يجب تدبيره لتجاوز هذا الواقع سعيا نحو تحسين مردوديته. ويمكن تقسيم الأسباب إلى ما يرجع إلى الطالب أو الأستاذ أو المنهج المسلوك.
أولا: الطالب:
طالب علم الحديث هو ركن من الثلاثي الذي يأتلف منه نظام التعليم، وهو الغاية من الدرس، والأستاذ والمنهج وسيلتان إليه يتوسل بهما لبلوغ تعليمه وإيصال الدرس إليه فهما وتحصيلا.
وإذا كنا نبحث عن أسباب تراجع درس علوم الحديث من جهة الطالب فإننا نجد أمورًا ترجع إليه كان له دور في انحساره ونقصان مستواه، ومنها: